أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: الجيش في مرمى النار

لم يعد استهداف الجيش اللبناني حدثاً عابراً في سياق الحرب الدائرة جنوباً، بل تحوّل إلى مؤشر بالغ الخطورة على طبيعة المرحلة المقبلة. فاستشهاد ثلاثة عناصر من الجيش، أمس الأول، نتيجة غارات إسرائيلية استهدفت دورياتهم في جنوب لبنان، يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول دلالات هذا التصعيد وتوقيته، وما إذا كان يحمل في طياته رسائل تتجاوز مجرد الخطأ الميداني، كما حاول الإسرائيلي تسويقه.

الوقائع الميدانية تشير إلى أن الاستهداف لم يكن معزولاً، بل جاء ضمن سياق تصاعدي من الضربات التي طالت الجيش في أكثر من نقطة، أثناء تنقله بآليات خفيفة وعلى طرقات داخلية، ما أدى إلى سقوط ثلاثة شهداء وعدد من الجرحى. هذا النمط من الاستهداف يطرح علامات استفهام جدية حول قواعد الاشتباك، ويضع المؤسسة العسكرية أمام واقع جديد لم تألفه، حتى في أشد مراحل التوتر السابقة.

ويحمل هذا التطور، على المستوى السياسي، أبعاداً تتصل بدور الجيش اللبناني نفسه، فالمؤسسة التي يُفترض أن تكون الضامن للاستقرار الداخلي وحفظ الحدود، تجد نفسها اليوم بين نارين: من جهة، تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية، ومن جهة أخرى، الضغوط الدولية التي تدعو إلى تمكينها من بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية. غير أن استهدافها المباشر يقوّض عملياً هذا الدور، ويضعف قدرتها على الانتشار الفاعل في المناطق الحدودية.

أما ميدانياً، فإن استهداف الجيش يشي بإمكانية توسّع رقعة الاشتباك، بحيث لا تبقى محصورة بين إسرائيل و”حزب الله”، بل تمتد لتشمل مؤسسات الدولة نفسها. وهذا التحول، إن ترسّخ، فإنه يعني إدخال لبنان في مرحلة أكثر خطورة، حيث تصبح كل البنى الرسمية عرضة للاستهداف، بما يهدد بتقويض ما تبقى من هيكل الدولة.

ولا يمكن فصل هذا التصعيد عن السياق الأوسع للحرب المستمرة، حيث تشهد الجبهة الجنوبية ارتفاعاً ملحوظاً في وتيرة الغارات، بالتزامن مع مؤشرات على استعدادات لعمليات أوسع. وفي هذا الإطار، يبدو أن استهداف الجيش قد يكون جزءاً من محاولة إعادة رسم قواعد الميدان، عبر الضغط على المؤسسة العسكرية لإعادة تموضعها أو الحد من حضورها في مناطق معينة.

وفي المقابل، يحمل استشهاد العسكريين الثلاثة، أمس الأول، بعداً معنوياً ووطنياً بالغ الحساسية، فالجيش، الذي لطالما شكّل نقطة إجماع داخلي، يجد نفسه اليوم في موقع الضحية، ما يعزز مشاعر التضامن الشعبي معه، لكنه، في الوقت نفسه، يضع الدولة أمام اختبار صعب في كيفية حماية مؤسستها العسكرية والحفاظ على هيبتها.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى