افتتاحية اليوم: الجنوبيون يختارون الأرض

لم يكن مشهد عودة النازحين إلى الجنوب اللبناني، بعد إعلان وقف إطلاق النار فجر أمس، مجرد حركة انتقال من أماكن النزوح إلى القرى والبلدات، بل بدا أقرب إلى استفتاء شعبي على معنى الانتماء والهوية. فعلى الرغم من الدمار الواسع الذي طال المنازل والبنى التحتية والمرافق الحيوية، اختار أبناء الجنوب العودة إلى أرضهم، ولو كان ثمن ذلك نصب خيمة فوق ركام منزل، أو المبيت بين جدران متصدعة.
هذه العودة السريعة والعفوية تكشف حقيقة راسخة في الوعي الجنوبي: فالأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، بل جزء من الذاكرة والهوية والتاريخ الشخصي والجماعي. لذلك، لم يكن غريبًا أن يتقدم الحنين إلى البيت على كل الاعتبارات الأخرى، وأن يفضّل كثيرون مواجهة قسوة الواقع على البقاء بعيدًا عن قراهم.
لقد أثبتت تجارب الحروب المتعاقبة أن أبناء الجنوب ينظرون إلى النزوح بوصفه حالة مؤقتة فرضتها الظروف الأمنية، لا خيارًا دائمًا أو بديلًا عن الاستقرار في قراهم. فالعودة بالنسبة إليهم ليست مجرد استعادة لمكان السكن، بل فعل مقاومة للتهجير القسري، ومحاولة لحماية ما تبقى من النسيج الاجتماعي، ومنع الفراغ السكاني الذي قد تفرضه تداعيات الحرب، وترغب إسرائيل في استدامته.
غير أن مشهد العودة، على ما يحمله من أبعاد إنسانية ووطنية عميقة، يضع الدولة اللبنانية أمام اختبار بالغ الصعوبة. فآلاف العائلات عادت إلى مناطق تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة، وسط دمار كبير في شبكات المياه والكهرباء والاتصالات والطرقات، فضلًا عن المخاوف الأمنية الناجمة عن هشاشة اتفاق وقف إطلاق النار، واستمرار تحليق المسيّرات في بعض المناطق.
ومن هنا، لم تعد قضية الجنوب محصورة بإعادة إعمار الحجر فحسب، بل أصبحت معركة لإعادة بناء الإنسان واستعادة دورة الحياة الاقتصادية والاجتماعية. فالعودة المستدامة تحتاج إلى خطة وطنية شاملة تؤمّن المأوى المؤقت، وتعيد تشغيل المدارس والمستشفيات والمرافق الأساسية، وتوفّر الدعم للمزارعين وأصحاب المؤسسات الصغيرة، كي يتمكنوا من استئناف أعمالهم.
لقد أثبت أبناء الجنوب، مرة جديدة، أن الحروب قد تهدم البيوت، لكنها لا تستطيع اقتلاع الناس من جذورهم. وبين خيمة منصوبة فوق الأنقاض وبيت ينتظر إعادة بنائه، تتجسد إرادة الحياة التي لطالما ميّزت الجنوب اللبناني. فهناك، حيث يختلط الركام بالأمل، يكتب الأهالي فصلًا جديدًا من حكاية الصمود، مؤكدين أن العودة إلى الأرض ليست خيارًا، بل قدر لا يمكن التراجع عنه.




