أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: إسرائيل تفهم وقف النار كما تريد

في كل مرة يتم فيها التوصل إلى اتفاق حول وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، يظهر جليًا أن مفهوم الهدنة لا يُقرأ بالطريقة نفسها لدى الطرفين. فبينما ينظر لبنان إلى وقف النار باعتباره التزامًا متبادلًا يهدف إلى إنهاء العمليات العسكرية وتهيئة الأرضية للاستقرار، تبدو إسرائيل وكأنها تتعامل معه باعتباره إطارًا مرنًا يسمح لها بحرية الحركة، بمعنى أن تقوم بأعمال عسكرية متى شاءت، وتحت ذرائع تختلقها.

هذا التباين في فهم الاتفاق لم يعد مجرد اختلاف في التفسير القانوني أو السياسي، بل تحول إلى واقع ميداني ينعكس على حياة اللبنانيين يوميًا. فالضربات الجوية، وعمليات الاستهداف المتفرقة، والتحليق المكثف للطائرات المسيّرة والمقاتلة فوق مختلف الأراضي اللبنانية، تجعل من أي وقف للنار لا يرقى إلى مستوى الهدنة الحقيقية. وفي المقابل، تتمسك إسرائيل بروايتها التي تعتبر أن الاتفاق لا يمنعها من تنفيذ عمليات استباقية أو إجراءات أمنية تراها ضرورية لحماية أمن مناطقها الشمالية.

لا شك إن المشكلة الأساسية تكمن في أن إسرائيل لا تتعامل مع وقف إطلاق النار بوصفه نهاية لمرحلة الحرب، بل كأداة لإدارة الصراع بشروط جديدة. فهي تسعى إلى تكريس معادلة تمنحها حرية الحركة العسكرية، مع تحميل الطرف الآخر كامل مسؤولية الحفاظ على الهدوء، على غرار ما حصل خلال سنة وأربعة أشهر قبل معاودة الحرب في الثاني من آذار الماضي. وبهذا المعنى، يصبح الاتفاق أقرب إلى التزام أحادي الجانب يُطلب من لبنان التقيد به، فيما تحتفظ إسرائيل بحق تفسير بنوده وفقًا لمصالحها السياسية والعسكرية.

وتستند هذه المقاربة إلى قناعة إسرائيلية راسخة مفادها أن الضغوط العسكرية المستمرة على لبنان قادرة على تحقيق مكاسب لا تستطيع المفاوضات وحدها تأمينها. لذلك، فإنها لطالما توظف الخروقات والتهديدات والاستهدافات المحدودة كوسائل ضغط تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، ودفع لبنان نحو تقديم تنازلات سياسية أو أمنية في ملفات عديدة تتجاوز إطار وقف إطلاق النار.

في المقابل، يجد لبنان نفسه أمام معضلة معقدة. فمن جهة، هو حريص على تثبيت الهدوء ووقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي وعودة النازحين وإطلاق الأسرى، ومن جهة أخرى، يواجه واقعًا ميدانيًا يجعل من الصعب إقناع الرأي العام بأن هناك إمكانية لوقف إطلاق نار فعلي، طالما أن الاعتداءات والاختراقات الإسرائيلية مستمرة. وهذا ما يخلق فجوة متزايدة بين ما يُبحث على المستوى الدبلوماسي والوقائع اليومية على الأرض.

ولذلك، يبدو أن الأزمة لا تكمن فقط في تطبيق وقف إطلاق النار، بل في تعريفه أساسًا. فإسرائيل دائمًا تتعامل معه باعتباره أداة لإدارة التوتر والتحكم بإيقاعه، فيما يراه لبنان مدخلًا إلى الاستقرار وإنهاء الاعتداءات. وأمام هذا المشهد، فإن أي اتفاق بين لبنان وإسرائيل لن يُكتب له النجاح ما لم يُحط بضمانات دولية، وإذا أمكن عربية، كما يطالب رئيس مجلس النواب نبيه بري.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى