اختبار السلام في غزة

يونس السيد – الخليج:
على مدار أكثر من عامين، كان قطاع غزة ساحة للحرب والقتال والدمار، ما أنتج تعقيدات ميدانية كثيرة يصعب تجاهلها حتى وهو ينشد السلام بعد اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، والذي لم يتم احترامه بشكل كبير، وبالتالي، فإن أي حديث عن خطط جديدة للسلام ينبغي أن يظل تحت اختبار التنفيذ.
عملية الانتقال من الحرب إلى السلام ليست أمراً سهلاً، ما لم يتم تنفيذ مراحلها وخطواتها بنداً بنداً وتحت إشراف رقابي لصيق لضمان نجاحها لاحقاً. غير أن ما يحدث في قطاع غزة لا يشي بذلك على الإطلاق، فمنذ اتفاق وقف إطلاق النار لم تتوقف الخروقات الإسرائيلية يوماً واحداً، حتى تحول إلى وقف لإطلاق النار من جانب واحد. ولم يتم تنفيذ البرتوكول الإنساني وإدخال المساعدات الإنسانية إلا بنسب ضئيلة تركزت على المواد الغذائية، مع تجاهل تام للجوانب الصحية والبيوت المتنقلة والمعدات الثقيلة للتعامل مع آلاف أطنان الركام وفتح الشوارع وانتشال جثث الضحايا، بينما احتاج معبر رفح، إلى مفاوضات أخرى واتفاق جديد سرعان ما تحول إلى عبء كبير على كاهل الفلسطينيين.
هذا يعني أن الانتقال إلى السلام وتوفير الأموال لإعادة الإعمار، وهي كلها تدخل في نطاق المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترامب، ينبغي أن يسبقه تصفية المرحلة الأولى بحذافيرها، إذ لا يعقل الذهاب إلى رفع الأنقاض والبدء بإعادة الإعمار قبل إنهاء الحرب والالتزام الفعلي بوقف إطلاق النار، وتوفير حالة الاستقرار الضرورية، بما في ذلك نزع السلاح وانسحاب الجيش الإسرائيلي ونشر القوات الدولية في القطاع.
وحقيقة الأمر أن كل هذه الأمور تتطلب تفاهمات جادة وصريحة، سواء تجاه ما يتعلق بنزع السلاح ومستقبل الفصائل الفلسطينية، وإطلاق مسار سياسي يفضي إلى تسوية الصراع واستقرار المنطقة برمتها، أو ما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي من القطاع والتخلي صراحة عن مطامع وأفكار وخطط إعادة الاحتلال والاستيطان وتهجير الفلسطينيين.
أما الحديث عن خطط دولية لإعادة الإعمار والبدء بالمناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي فهو كمن يضع العربة أمام الحصان، ويبقي احتمالات العودة للحرب قائمة في أي لحظة، في وقت يدفع اليمين الإسرائيلي المتطرف لإفشال الخطة الأمريكية برمتها.. من وقف إطلاق النار إلى إعادة الإعمار وصولاً إلى تسوية سياسية للصراع. من هنا تكمن أهمية التفاهمات المسبقة حول كل التفاصيل، لأن الشيطان يكمن في التفاصيل، كما يقولون، إذ إن عدم الانسحاب وتجاهل استمرار خروقات وقف إطلاق النار، وعدم إدخال المساعدات المتفق عليها أو بيوت إيواء النازحين أو عدم فتح المعابر بصورة لائقة، وغيرها يمكن أن تعيد الأمور إلى المربع الأول، وتتحول، في النهاية، إلى عوامل تفجير لجهود السلام المنشود، ما يعني أن هذا السلام سيظل قيد الاختبار وسيظل نجاحه مرهوناً بقدرة الجهات المشرفة على تنفيذه.




