خاصأبرزرأي

اجتماعات الميكانيزم لرفع العتب

حسين زلغوط – خاص ـ “رأي سياسي” :

تزداد الانتقادات الموجّهة إلى لجنة “الميكانيزم” بين لبنان وإسرائيل، مع تصاعد الانطباع بأن اجتماعاتها باتت أقرب إلى رفع العتب منها إلى إنتاج حلول ملموسة. هذه اللجنة التي أُنشئت لضبط الإيقاع الأمني ومتابعة التفاهمات الميدانية في أعقاب الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، وُلدت في لحظة توتر حاد بهدف منع الانزلاق إلى مواجهة واسعة، لكنها اليوم تبدو أسيرة توازنات سياسية وعسكرية تعيق قدرتها على التحرّك الفعلي.

كان يُفترض بالميكانيزم أن يُشكّل قناة اتصال غير مباشرة تُعالَج عبرها الخروقات، وتُبحث فيها الإجراءات الكفيلة بتخفيف الاحتكاك، غير أن التطبيق العملي كشف حدود هذه الآلية، إذ غالباً ما تُسجَّل الاعتراضات وتُدوَّن الملاحظات من دون أن يترتّب عليها تغيير واضح في السلوك الميداني. ومع تكرار الاجتماعات من دون نتائج ملموسة، يتكرّس شعور بأن مسار هذه اللجنة تحوّل إلى إدارة أزمة لا إلى حلّها.

وتكمن المشكلة الأساسية هنا في غياب توازن فعلي بين الالتزامات المتبادلة؛ فإسرائيل باتت تتعامل مع “الميكانيزم” كمنصّة لتبرير اعتداءاتها لا كإطار ملزم لإعادة ضبط الحدود. وهكذا تصبح الاجتماعات مناسبة لتبادل الرسائل أكثر مما هي مساحة لصياغة تفاهمات تنفيذية.

وفي ظل هذا الواقع، يتراجع منسوب الثقة، ويغدو أي خرق جديد سبباً لتآكل ما تبقّى من جدوى آلية هذه اللجنة. ويُضاف إلى ذلك أن اللجنة تعمل في بيئة سياسية داخلية وإقليمية شديدة التعقيد؛ فالمشهد في لبنان مُثقَل بأزماته، ما يضعف قدرته على فرض شروط واضحة أو متابعة تقنية دقيقة لكل الملفات المطروحة. في المقابل، تتقدّم الحسابات الأمنية الإسرائيلية على أي اعتبارات أخرى، ما يجعل الأولوية دائماً للمعادلات الردعية لا للتهدئة المستدامة. وبين هذين المنظورين تضيع وظيفة “الميكانيزم” كأداة استقرار.

لكن، ورغم ذلك، لا يمكن التقليل من أهمية استمرار الاجتماعات بحد ذاتها، فوجود قناة تواصل، ولو محدودة الفاعلية، يبقى أفضل من انقطاع كامل يفتح الباب أمام سوء تقدير خطير. إلا أن الإشكالية تكمن في الاكتفاء بالشكل على حساب المضمون؛ فالاجتماعات التي لا تُفضي إلى خطوات عملية، كإجراءات واضحة لخفض التصعيد أو آليات تحقّق مشتركة، تتحوّل تدريجياً إلى غطاء دبلوماسي هش.

من هنا، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة تقييم دور اللجنة وتطوير آليات عملها: أولاً، عبر تحديد جدول أعمال واضح ومحدّد زمنياً لكل اجتماع، مع نقاط متابعة دقيقة لما تم الاتفاق عليه سابقاً. ثانياً، عبر تعزيز الشفافية الداخلية بحيث تُطّلع الجهات الرسمية المعنية في لبنان على تفاصيل أوسع تمكّنها من اتخاذ قرارات داعمة. وثالثاً، عبر السعي إلى ضمانات دولية أكثر صرامة تواكب أي تفاهمات ميدانية.

إن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بعدد الاجتماعات، بل بمدى قدرتها على إنتاج تغيير فعلي في السلوك على الأرض. فإذا بقيت الخروقات تتكرّر والردود تتصاعد، فإن استمرار “الميكانيزم” بصيغتها الحالية لن يكون كافياً لاحتواء المخاطر. أما إذا تحوّلت الاجتماعات إلى منصّة فعلية لاتخاذ إجراءات ملموسة، فقد تستعيد دورها كصمّام أمان مرحلي في منطقة لا تحتمل خطأً في الحسابات. وهذا ما يضع لجنة “الميكانيزم” اليوم عند مفترق طرق: إما أن تبقى إطاراً شكلياً لتبادل الشكاوى وامتصاص الضغوط، وإما أن تتطوّر إلى أداة فاعلة لضبط الإيقاع الأمني ومنع الانفجار.

وبين هذين الخيارين، يتحدّد ما إذا كانت الاجتماعات ستظل “رفع عتب”، أم تتحوّل إلى خطوة حقيقية نحو استقرار طال انتظاره.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى