
لقمان عبد الله – الأخبار:
بعد فشل العدوان في فرض شروطه، تسعى طهران إلى ترجمة صمودها سياسياً، عبر تثبيت معادلات ردع جديدة وإفهام واشنطن أن زمن الإملاءات الأحادية والضغوط غير المحدودة قد انتهى.
بعدما نجحت إيران في إحباط أهداف العدوان الأميركي – الإسرائيلي، انتقلت إلى مرحلة عمل أخرى، عنوانها تثبيت نتائج المواجهة ميدانياً وترجمتها دبلوماسياً. وفي هذا السياق، تدأب طهران على التأكيد، على مسمع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أن ما عجزت الآلة العسكرية عن فرضه بالقوة، لن تتمكّن المفاوضات من انتزاعه تحت الضغط السياسي أو الابتزاز الدبلوماسي. ومن هنا، برز في أوساط الكُتّاب والمحلّلين سؤال متمحور حول ما إذا كانت الجمهورية الإسلامية قرّرت معركة أوسع من حماية حقوقها ومصالحها الاستراتيجية، هدفها تعديل السلوك الأميركي فحسب، وكسر نمط الهيمنة الذي حَكم علاقة الولايات المتحدة بالمنطقة لعقود؟
الواقع أن إيران، التي خرجت من المواجهة أكثر تماسكاً وقدرة على فرض معادلات ردع جديدة يصعب تجاوزها أو العودة عنها، تبدو حريصة على استثمار المفاوضات في تكريس التحوّل في ميزان القوى، وإعادة تعريف قواعد الاشتباك السياسي مع الولايات المتحدة، وإفهام الأخيرة أن مرحلة الإملاءات الأُحادية لم تعُد قابلة للاستمرار. ولذا، لا ترى طهران أن المسار التفاوضي، الذي تسعى لإبقاء زمامه في يدها (وهو ما يدلّ عليه مثلاً عدم التزامها بمواعيد واشنطن للردّ على مقترحات التسوية) الأميركية، منفصل عن نتائج المعركة؛ وهي تعتقد أن الأميركيين أوقعوا أنفسهم في مأزق استراتيجي عميق، سواء على مستوى القدرة على فرض إرادتهم على خصومهم أو على صعيد صورة الردع الأميركية في المنطقة. وانطلاقاً من هذا التقدير، تتعامل القيادة الإيرانية مع الضغوط السياسية والاقتصادية المتجدّدة عليها، باعتبارها أدوات محدودة التأثير قياساً بما جرى استيعابه خلال الحرب نفسها.
مخاوف من احتمال تحوّل إيران إلى نموذج عالمي في الصمود والإفلات من الهيمنة الغربية
في التقدير الإيراني أيضاً، فإن أقصى ما تستطيع الولايات المتحدة فعله في المرحلة الحالية هو عرقلة مسار إعادة البناء والتعافي في إيران، في حين أن الخسائر الكبرى التي كان يمكن أن تهدّد النظام أو تغيّر المعادلات الأساسية، وقعت بالفعل وتمّ تجاوز أخطر مراحلها، وهو ما يمنح طهران هامشاً أوسع للمناورة، وثقة أكبر في إدارة التفاوض. وفي مقابل المقاربة الإيرانية الجديدة، بدأت تتبلور مقاربة غربية تجاه طهران تميل إلى الواقعية السياسية نسبياً، وتختلف عن الخطاب الذي ساد المراحل السابقة من التصعيد، إذ يكرّر عدد من القادة الغربيين، بصورة شبه يومية، أن «هذه ليست حربنا»، وأن بلدانهم لن تنجرّ إلى مواجهة مفتوحة مهما تصاعدت الضغوط الأميركية أو الإسرائيلية عليهم. ويعكس هذا الموقف إدراكاً متزايداً لحجم المخاطر التي قد تترتّب على الانخراط في صراع طويل ومكلف، لا تبدو نتائجه مضمونة، وهذا ما أكّده رئيس وزراء بريطانيا، كير ستارمر، بالقول إنه لن ينخرط أبداً في مواجهة مع إيران.
وفي موازاة ذلك، تتصاعد داخل بعض الدوائر الغربية مخاوف أعمق من احتمال تحوّل إيران إلى نموذج عالمي في الصمود والإفلات من الهيمنة الغربية. فالسؤال الذي يُطرح بإلحاح في تلك الدوائر هو: كيف لدولة خضعت لعقوبات وحصار لأكثر من أربعة عقود، ثمّ واجهت حربَين مدمّرتَين خلال أقلّ من عام، وتعرّضت بعدها لحصار بحري واقتصادي غير مسبوق، أن تنجح في الحفاظ على تماسكها، وأن تصل إلى طاولة التفاوض وهي قادرة على تثبيت شروطها ومعادلاتها؟ من هذا المنظور، يسود اعتقاد في أوساط سياسية وفكرية في الغرب بأن المواجهة مع إيران قد تحمل تداعيات بعيدة المدى على صورة الغرب نفسه، وعلى فعّالية أدوات الردع والعقوبات والضغوط التي شكّلت لعقود الركائز الأساسية للنفوذ الأميركي والغربي في العالم.
على أيّ حال، بات واضحاً أن منطقة الشرق الأوسط دخلت مرحلة مختلفة بالكامل، وأن الأوضاع لن تعود إلى ما كانت عليه قبل العدوان على إيران، ولا سيما في ما يتعلّق بمضيق هرمز وموقع طهران الإقليمي والدولي. وفي هذا السياق، كتب المؤرّخ الأميركي، روبرت كاغان، في مقال بعنوان «كش ملك إيران»، أن الحرب الأميركية – الإسرائيلية انتهت إلى فشل استراتيجي أقرب إلى الهزيمة، معتبراً أن الرهان على كسر إيران أو إخضاعها بالقوة العسكرية سقط عملياً، بعدما تمكّنت طهران من الصمود والحفاظ على قدرتها على التأثير، بل وتعزيز موقعها كلاعب مركزي في الإقليم والعالم. وأشار إلى أن إيران خرجت من المواجهة وهي تمتلك قدرة أكبر على التحكّم بمعادلات «هرمز»، مع ما يحمله ذلك من تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وحركة التجارة الدولية، مشكّكاً في جدوى الحصار البحري أو الضغوط الاقتصادية، مؤكداً أن النتائج التي عجزت الحرب العسكرية المباشرة عن فرضها، لن تتمكّن العقوبات أو سياسات الخنق الاقتصادي من تحقيقها في المرحلة المقبلة.




