إنها عملية “مطرقة انتخابات التجديد النصفي”

حرب إيران ترتدّ لتضرب ترامب في صناديق الاقتراع.
لِنُسَمِّها “عملية مطرقة انتخابات التجديد النصفي”. هذه التسمية ليست عفوية، بل استدعاءٌ مقصود لـ”عملية مطرقة منتصف الليل” (Operation Midnight Hammer)؛ وهي عملية عسكرية أميركية شُنَّت ضد المنشآت النووية الإيرانية في حزيران/يونيو 2025. حينها، قدَّمت إدارة ترامب تلك العملية على أنها ضربة حاسمة للبرنامج النووي الإيراني، لكنّ المواجهة الأوسع التي تلت ذلك تحوّلت إلى أمر أكثر تعقيداً بكثير، وباتت تداعياتها تهدّد اليوم بإلقاء ظلالها القاتمة على حملة الحزب الجمهوري الرامية للاحتفاظ بالسيطرة على الكونغرس.
ومن الصعب ألا نلحظ المفارقة هنا؛ فالرئيس الذي عاد إلى البيت الأبيض واعداً بوضع “أميركا أولاً” وتجنّب الانخراط في صراعات خارجية مكلفة، وجد نفسه يقود حرباً واسعة النطاق ضد إيران؛ صراعٌ استمر لفترة أطول بكثير من الجداول الزمنية المتفائلة التي طرحتها إدارته في البداية. وهكذا، تحوّل ما كان يُفترض أن يكون استعراضاً لقوةٍ ساحقة إلى تحدٍ استراتيجي واقتصادي طويل الأمد. والآن، يُطلب من الناخبين الأميركيين دفع الفاتورة.
تتراكم المؤشرات السياسية المُنذرة منذ أشهر. فقد أظهر استطلاع أجرته وكالة “رويترز” بالتعاون مع مؤسسة “إبسوس” في أيلول/سبتمبر أنّ 34% فقط من الأميركيين يؤيّدون الضربات الأميركية ضدّ إيران، في حين يعتقد 82% أنّ الصراع سيستمر على الأرجح لفترة طويلة. كما كشف الاستطلاع ذاته عن تفوّق الديمقراطيين على الجمهوريين بفارق 8 نقاط بين الناخبين المسجّلين في التصويت العامّ للكونغرس، بنسبة 43% مقابل 35%. وبالتزامن مع ذلك، انخفضت نسبة التأييد للرئيس ترامب إلى 32%.
ولا تحمل الأرقام الأخيرة أيّ أنباء مطمئنة للبيت الأبيض؛ إذ أظهر استطلاع آخر لـ”رويترز/إبسوس” – اكتمل في 2 تشرين الثاني/نوفمبر – أنّ نسبة تأييد ترامب استقرّت عند 32%، وهي نسبة تقترب من أدنى مستوى وصل إليه خلال مسيرته السياسية. وفي التصويت العامّ للكونغرس، تقدّم الديمقراطيون على الجمهوريين بنسبة 46% مقابل 38%. وذكر نصف الناخبين المستقلين أنّ تصويتهم يهدف إلى معارضة ترامب، مقابل 13% فقط قالوا إنهم سيصوّتون لدعمه.
في غضون ذلك، يبقى الاقتصاد الشاغل الرئيس للناخبين؛ بحيث أشار الاستطلاع نفسه إلى أنّ 78% منهم يعتبرون تكاليف المعيشة قضية بالغة الأهمية أو القضية الأهمّ في حسم خيارهم الانتخابي. وهنا تكمن الخطورة البالغة للحرب مع إيران بالنسبة للإدارة الأميركية؛ فحتى الناخبون الذين لا يتابعون تطوّرات المعارك يشعرون بتبعات هذا الصراع، الذي تسبّب في اضطراب أسواق الطاقة وزاد من الضغوط على ميزانيات الأسر.
لقد خلص “مجلس شيكاغو للشؤون العالمية” في استطلاع أجراه عام 2026 إلى أنّ 86% من الأميركيين يرون أنّ الحرب مع إيران كان لها أثر سلبي على تكاليف المعيشة في الولايات المتحدة. وعلى نطاق أوسع، ذكر 68% أنّ هذه الحرب لم تكن تستحقّ الخوض فيها، مقابل 31% اعتبروها مبرّرة. وقد برزت المعارضة للحرب بشكل لافت بين الناخبين المستقلين، بحيث رأى 76% منهم أنّ تكلفتها تفوق فوائدها.
وبعبارة أخرى، قد لا تشكّل الحرب القضية الأولى التي يطرحها الناخبون عند سؤالهم عن أكثر الأمور أهمية بالنسبة لهم، لكنها أضحت جزءاً من الواقع الاقتصادي الذي يشكّل قراراتهم.
وهذا التمييز مهم؛ فنتائج الانتخابات نادراً ما تُحسم بناءً على السياسة الخارجية وحدها، بل تُحسم بناءً على أسعار السلع الغذائية، وتكلفة تعبئة خزّان وقود السيارة، والأمن الوظيفي، والانطباع العامّ حول ما إذا كانت الحكومة تجعل حياة الناس أفضل أم أسوأ. لذا، فإنّ أيّ حرب تؤدي إلى ارتفاع هذه التكاليف قد تتحوّل إلى مشكلة سياسية داخلية، حتى بالنسبة للناخبين الذين لا يبدون اهتماماً كبيراً بتفاصيل العمليات العسكرية التي تدور على بعد آلاف الأميال.
ويبدو أنّ الحسابات السياسية للإدارة الأميركية تعكس هذا الواقع؛ فقد أفاد تحقيق أجرته وكالة “رويترز” في أيلول/ سبتمبر بأنّ كبار مساعدي ترامب سعوا لمنع تصعيد الصراع مع إيران قبيل انتخابات التجديد النصفي، خشية أن تؤدي مواجهة عسكرية متجدّدة إلى تفاقم خسائر الحزب الجمهوري الانتخابية. ونُقل عن أحد مسؤولي البيت الأبيض قوله: “شهر تشرين الثاني/نوفمبر يمثّل أولوية”. وبدا بوضوح أنّ الإدارة تفضّل إبقاء الصراع ضمن نطاق محدود نسبياً إلى حين إدلاء الناخبين بأصواتهم.
ينطوي هذا الحساب على دلالات كاشفة؛ فلو كانت الحرب ناجحة تماماً كما صوّرها المدافعون عنها سياسياً، فلماذا يبدي البيت الأبيض كلّ هذا القلق بشأن ظهورها على الساحة خلال حملة انتخابية؟ لا تكمن مشكلة ترامب في أنّ الحرب استمرت لفترة أطول مما كان متوقّعاً فحسب، بل في أنّ إدارته واجهت صعوبة في تحويل العمل العسكري إلى نتائج سياسية واضحة ومقنعة. فقد تبدّلت الأهداف المعلنة، وتغيّر الجدول الزمني مراراً. وحلَّ صراعٌ – يصعب احتواء تبعاته الاقتصادية والاستراتيجية – محلَّ الوعود بحسمٍ سريع.
وبالنسبة للجمهوريين، تكمن الخطورة في أنّ انتخابات التجديد النصفي قد تتحوّل إلى استفتاء حول الفجوة بين وعود ترامب وواقع رئاسته. وعلى الرغم من أنّ الرئيس نفسه ليس مرشّحاً في هذه الانتخابات، إلا أنّ سياساته وقراراته وتصريحاته العلنية مطروحة كلها أمام الناخبين. وفي ظلّ دفاع الحزب عن أغلبيته الضئيلة في الكونغرس، فإنّ أيّ تحوّل – حتى وإن كان طفيفاً – في توجّهات الناخبين المستقلين أو الجمهوريين الذين أصيبوا بخيبة أمل، قد تكون له تداعيات بالغة الأهمية.
بالطبع، لا يوجد ضمان بأنّ الحرب مع إيران ستكون العامل الوحيد الحاسم في النتائج؛ فثمّة عوامل أخرى لا تقلّ أهمية، مثل القضايا الداخلية، وكفاءة المرشحين، ونسب الإقبال على التصويت، والمناخ السياسي العامّ. كما أنّه ليس كلّ أميركي يعارض الحرب ينوي بالضرورة التصويت ضدّ حزب الرئيس. ومع ذلك، تشير استطلاعات الرأي المتاحة إلى أنّ هذا الصراع بات يمثّل عبئاً إضافياً على الحزب الجمهوري في خضمّ انتخابات تبدو صعبة بالفعل. وقد بدأت تكاليف الحرب تُدفع الآن عبر صناديق الاقتراع.
باختصار، كان الهدف من “عملية مطرقة منتصف الليل” (Operation Midnight Hammer) توجيه رسالة إلى طهران، لكنّ “عملية مطرقة انتخابات التجديد النصفي” (Operation Midterms Hammer) قد تحمل رسالة مختلفة تماماً إلى واشنطن: فالقوة العسكرية قادرة على تدمير أهداف في الخارج، لكنها لا تستطيع حماية أيّ حكومة من التبعات السياسية لقراراتها في الداخل. وعلى عكس القنابل التي أُلقيت على إيران، فإنّ هذه “القنبلة” سيُلقيها الناخبون.
- المصدر: صحيفة “طهران تايمز” الإيرانية




