خاصأبرزرأي

إسرائيل تريد تدمير كل شيء في الجنوب

حسين زلغوط – خاص “رأي سياسي”:

تفتح التصريحات المنسوبة إلى قادة عسكريين إسرائيليين حول طبيعة العمليات في جنوب لبنان الباب أمام قراءة مقلقة لمسار المواجهة، حيث لم يعد الحديث مقتصراً على استهداف مواقع محددة أو بنى عسكرية لحزب الله، بل تجاوز ذلك إلى مقاربةٍ توحي بأن التدمير الشامل بات هدفاً قائماً بحد ذاته. هذه المقاربة، إن صحت، تعكس تحولاً نوعياً في العمل الميداني للجيش الإسرائيلي، من الحرب على “أهداف” معينة إلى حربٍ على كل شيء.

معروفٌ أنه في الحروب التقليدية، تُبنى العمليات العسكرية على مبدأ تحقيق أهدافٍ واضحة، سواء كانت إضعاف قدرات الخصم أو السيطرة على نقاطٍ استراتيجية. أما حين يصبح التدمير غايةً بحد ذاته، فإن ذلك يطرح تساؤلاتٍ عميقة حول الأهداف السياسية الكامنة خلف العمل العسكري، إذ إن تدمير القرى والبلدات الجنوبية لا يؤدي بالضرورة إلى حسمٍ عسكري، بقدر ما يخلق واقعاً إنسانياً كارثياً ويزيد من تعقيد أي تسويةٍ مستقبلية.

الجنوب اللبناني، الذي عانى تاريخياً من جولاتٍ متكررة من الصراع، يجد نفسه اليوم أمام مشهدٍ يتجاوز مجرد المواجهة العسكرية التقليدية. فالتدمير الواسع للبنية التحتية والمنازل والمرافق الحيوية يهدد بتحويل المنطقة إلى مساحةٍ غير قابلةٍ للحياة، وهو ما يمكن قراءته ضمن استراتيجيةٍ تهدف إلى خلق “منطقة عازلة” بالقوة، ولكن بكلفةٍ إنسانيةٍ وماديةٍ باهظة.

هذا النوع من السياسات لا ينفصل عن حسابات الردع، إذ قد تسعى إسرائيل، من خلال رفع مستوى التدمير، إلى إرسال رسالةٍ قاسية مفادها أن أي مواجهةٍ مستقبلية ستكون مكلفة إلى حد غير محتمل، غير أن هذه الرسائل، على قسوتها، غالباً ما تأتي بنتائج عكسية، إذ تؤدي إلى تعميق مشاعر الغضب والعداء، وتعزز من البيئة الحاضنة لأي مقاومةٍ محتملة بدل أن تضعفها.

في المقابل، يضع هذا الواقع الدولة اللبنانية أمام تحدياتٍ غير مسبوقة، فإعادة الإعمار، التي كانت دائماً مهمةً شاقة، قد تصبح شبه مستحيلة في ظل تكرار دورات التدمير، كما أن النزوح الداخلي وتدمير سبل العيش يهددان بخلق أزمةٍ اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ ممتدة، تتجاوز حدود الجنوب لتطال مجمل المناطق اللبنانية.

لا شك أن التصعيد في الجنوب يتقاطع مع حساباتٍ إقليميةٍ ودوليةٍ معقدة، حيث تتحول الساحة اللبنانية إلى نقطة تقاطع مصالح وصراعات. وفي هذا الإطار، يصبح التدمير أداة ضغط ضمن لعبةٍ أكبر، تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية.

غير أن الأخطر في هذا المسار هو تداعياته طويلة الأمد، فالمناطق التي تتعرض لتدميرٍ شامل تحتاج سنواتٍ طويلة لتتعافى، إن تعافت أصلاً. ومع كل جولةٍ جديدة من العنف، تتآكل فرص الاستقرار، ويتكرس واقعٌ من الهشاشة الدائمة، وهذا ما يجعل من أي حديثٍ عن حلولٍ سياسية أمراً أكثر صعوبة، في ظل وجود مناطق بكاملها غير قابلةٍ للحياة.

إن كل هذه التصريحات للمسؤولين الإسرائيليين، وما يواكبها من وقائع ميدانية، تعكس تحولاً خطيراً في طبيعة الصراع. فحين يصبح التدمير الشامل خياراً مطروحاً، فإن ذلك لا يعني فقط تصعيداً عسكرياً، بل يؤشر إلى انسدادٍ في الأفق السياسي. وبين منطق القوة ومنطق التسويات، يبقى الجنوب اللبناني عالقاً في دائرةٍ مفتوحةٍ من الدمار، حيث يدفع الشعب اللبناني في الجنوب الثمن الأكبر في معادلةٍ لا تبدو نهايتها قريبة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى