إسبانيا وعقدة المغرب

إدريس الكنبوري – العرب:
جيوب المقاومة” في إسبانيا ما تفتأ تختلق الأزمات لتعيد العلاقات بيد البلدين إلى نقطة الصفر، وتنتقد الاعتراف بمغربية الصحراء
بالرغم من أن العلاقات المغربية ـ الإسبانية تعيش اليوم واحدا من أفضل فصولها بعد عقود من الأزمات المتتالية فإن “الدولة العميقة” في إسبانيا لا تكف عن إثارة المشكلات بين الحين والآخر والتحذير من أي سياسة للتقارب مع المغرب والتلويح بالخطر الذي يشكله هذا الأخير نسبة إلى المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية.
منذ اعتراف الحكومة الإسبانية بزعامة الحزب الاشتراكي العمالي الذي يرأسه بيدرو سانشيز في مارس من العام 2022 بمغربية الصحراء، دخلت العلاقات بين الرباط ومدريد حقبة جديدة أساسها التفاهم والتعاون المشترك في القضايا التي تشغل البلدين، كمكافحة الإرهاب ومحاربة التهريب والهجرة السرية، وجرى تبادل الزيارات بين مسؤولي البلدين لتعزيز الشراكة، بيد أن “جيوب المقاومة” في إسبانيا ما تفتأ تختلق الأزمات لتعيد العلاقات بيد البلدين إلى نقطة الصفر، وتنتقد الاعتراف الرسمي بمغربية الصحراء ومغادرة الموقف التقليدي الذي ظلت الحكومات الإسبانية المتعاقبة تتشبث به، وهو دعم جبهة البوليساريو الانفصالية والفصل بين خط التعاون وخط السيادة المغربية على الصحراء.
وفي ضوء الخلاف الناشب بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسبانية بشأن الحرب على إيران، بعد رفض هذه الأخيرة استخدام الولايات المتحدة للقواعد العسكرية الموجودة في جنوب إسبانيا، عادت تلك الأصوات الرافضة للتقارب مع المغرب إلى التشكيك في نوايا المغرب وادعاء أن الرباط قد توظف تقاربها مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمطالبة باسترجاع مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، أسوة بما قام ترامب عام 2020 حين اعترف بمغربية الصحراء، وقاد مبادرة جريئة انتهت بصدور القرار التاريخي رقم 2797 في أكتوبر 2025 الذي اعتبر مشروع الحكم الذاتي المغربي اقتراحا واقعيا وأرضية للتفاوض، ورعى مفاوضات رباعية بين المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة بوليساريو.
المغرب اتخذ استراتيجية واضحة منذ عقود حين قرر الفصل بين مسار الصحراء المغربية ومسار سبتة ومليلية نظرا للاختلاف بينهما
هذا الغليان الإسباني جاء في أعقاب صدور مقال قبل أسبوعين للمؤرخ الأميركي مايكل روبين، عضو الكونغرس السابق، الذي دعا إلى تنظيم “مسيرة خضراء” إلى المدينتين المحتلتين لاسترجاعهما إلى السيادة المغربية، في إشارة إلى المسيرة التي نظمها الملك الراحل الحسن الثاني عام 1975 إلى الصحراء واسترجاع الأقاليم الجنوبية من الاحتلال الإسباني عشية احتضار الجنرال فرانسيسكو فرانكو.
وقد رأى البعض في نشر ذلك المقال بتزامن مع الحرب على إيران من طرف باحث أميركي عمل سابقا في البنتاغون دليلا على أن الإدارة الأميركية تهيئ أمرا ما مع المغرب ضد إسبانيا. وبعد أزمة القواعد العسكرية بدأ هؤلاء يشككون في نوايا الرئيس الأميركي بنقل تلك القواعد إلى المغرب وترحيلها من إسبانيا، وتفسير تهديدات ترامب لمدريد باعتبارها تلميحا إلى دعم مطلب المغرب في المدينتين.
غير أن المغرب اتخذ استراتيجية واضحة منذ عقود حين قرر الفصل بين مسار الصحراء المغربية ومسار سبتة ومليلية نظرا للاختلاف بينهما، فقضية الصحراء هي قضية مطروحة أمام منظمة الأمم المتحدة منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي، فيما بقي ملف المدينتين شأنا يخص الروابط الثنائية بين المغرب وإسبانيا ولم يجر تدويله.
ومنذ بضع سنوات وضع المغرب سياسة جديدة تجاه سبتة ومليلية بحيث لم تعد المدينتان تشكلان أهمية اقتصادية بالنسبة للإسبان بعد إغلاق الحدود ووقف عمليات التهريب منهما وإنشاء الميناء المتوسطي في طنجة الذي أصبح الرئة التي يتنفس منها الاقتصاد المغربي.
ومعنى ذلك أن المغرب اختار طريقا هادئا بعيدا عن المناكفة السياسية مع مدريد وبات يراهن على المستقبل، وبدلا من الربط بين التعاون مع إسبانيا وملف احتلال المدينتين اختار المغرب أسلوب الفصل ونقل الأزمة إلى داخل المدينتين اللتين لم تعودا متنفسا اقتصاديا للإسبان المقيمين، بحيث صار الإسبان أنفسهم ينظرون إلى المدينتين بوصفهما عبئا على الاقتصاد الإسباني.




