إخفاقات واشنطن في الخليج

عبدالكريم سليمان العرجان – العرب:
الأمن الخليجي المستقبلي يتطلب فهم التحولات البنيوية داخل إيران، فإعادة هندسة الشراكات الدفاعية وحدها لا تكفي لمعالجة جذور عدم الاستقرار وتوازن القوى.
في ورقة حديثة صادرة عن المجلس الأطلسي في يوليو/تموز 2026 بعنوان “إعادة ضبط الشراكات الأمنية بين الولايات المتحدة والخليج”، قدّمت أليسون ماينر، الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط والمسؤولة السابقة عن ملف شبه الجزيرة العربية في مجلس الأمن القومي الأمريكي، وألينا إل رومانوفسكي، السفيرة الأميركية السابقة لدى العراق والكويت، قراءة مهمة لمستقبل الشراكة الأمنية بين واشنطن ودول الخليج. هذه القراءة تنطلق من ضرورة إعادة صياغة الدور الأميركي في المنطقة بما يتناسب مع التحولات الجديدة في بيئة الأمن الإقليمي.
تنطلق الورقة من فرضية أساسية مفادها أن النموذج الأمني الأميركي التقليدي في المنطقة يحتاج إلى إعادة صياغة، بحيث تنتقل واشنطن من دور “الضامن الأمني” إلى دور “المدمج الأمني”، عبر تعزيز التكامل الدفاعي الخليجي، وتطوير منظومات الدفاع الجوي، وتوسيع التعاون البحري والاستخباراتي، وإعادة بناء شبكة التحالفات الإقليمية. هذه المقاربة تعكس إدراكًا للتحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، حيث لم تعد التهديدات الأمنية تُدار بالاعتماد على الوجود العسكري الأميركي المباشر فقط، بل باتت تتطلب قدرًا أكبر من الاعتماد على القدرات الإقليمية والتنسيق بين الحلفاء.
لكن هذه القراءة المهمة تفتح سؤالًا آخر لا يقل أهمية: ماذا لو لم تكن المشكلة الأساسية في بنية الشراكات الأمنية فقط، بل في طبيعة الطرف الذي تواجهه هذه المنظومة؟ ماذا لو كان التحدي الحقيقي مرتبطًا بالتحولات الداخلية العميقة في إيران، وليس فقط بقدرتها العسكرية أو بسلوكها الإقليمي؟ إن فهم مستقبل الأمن الخليجي لا يمكن أن يكتمل من دون قراءة التحول الذي يمر به النظام الإيراني. فطهران لم تعد تتحرك فقط من موقع قوة أيديولوجية صاعدة كما كان الحال في العقود الأولى بعد الثورة، بل تواجه اليوم ضغوطًا داخلية متراكمة تشمل أزمات اقتصادية عميقة، وتراجعًا في القدرة على إنتاج الشرعية السياسية، والتحولات المرتبطة بمستقبل القيادة في مرحلة ما بعد خامنئي.
إخفاقات واشنطن في الخليج تكمن في الاكتفاء بالردع العسكري وحماية الملاحة، دون معالجة التحولات الداخلية الإيرانية التي تُنتج أزمات متجددة تهدد الاستقرار الإقليمي
ومن هنا فإن التصعيد الإيراني في المنطقة يحتاج إلى قراءة تتجاوز تفسيره باعتباره انعكاسًا مباشرًا للقوة. ففي بعض الأحيان، قد يكون التصعيد الخارجي نتيجة لأزمات داخلية ومحاولة لتعويض تراجع النفوذ أو إعادة ترميم صورة النظام أمام بيئته الداخلية. فالدول التي تواجه أزمات بنيوية قد تلجأ إلى أدوات الضغط الخارجي للحفاظ على حضورها الإقليمي، حتى عندما تكون قدرتها الإستراتيجية طويلة الأمد تتعرض للتآكل. ولهذا فإن إعادة هندسة الشراكات الأمنية الخليجية، رغم أهميتها، تمثل جزءًا واحدًا من المعادلة. فالقدرات الدفاعية المتكاملة تستطيع احتواء التهديدات، لكنها لا تعالج بالضرورة الأسباب التي تنتج هذه التهديدات. وإذا كان مصدر عدم الاستقرار مرتبطًا بأزمة أعمق داخل النظام الإيراني نفسه، فإن أي استراتيجية أمنية مستقبلية تحتاج إلى الجمع بين بناء الردع وفهم التحولات الداخلية لدى الطرف المقابل.
ليست هذه المعضلة جديدة في العلاقة بين واشنطن والخليج. ففي أواخر الثمانينات، وخلال ما عُرف بـ”حرب الناقلات” في مياه الخليج، أطلقت الولايات المتحدة عملية “إرنست ويل” لحماية ناقلات النفط الكويتية التي أعيد تسجيلها تحت العلم الأميركي بعد تعرضها لهجمات إيرانية خلال الحرب العراقية الإيرانية. وقد نجحت واشنطن حينها في تأمين حركة الملاحة وردع استهداف بعض الممرات البحرية، لكنها لم تتمكن من تغيير المسار العام للسلوك الإيراني الذي كان يعيد إنتاج التهديد بأشكال مختلفة.
وتكشف تلك التجربة التاريخية عن إشكالية ما زالت حاضرة حتى اليوم: قدرة الولايات المتحدة على حماية خطوط الملاحة والمنشآت الحيوية لا تعني بالضرورة قدرتها على إنهاء مصادر عدم الاستقرار. فالأمن الإقليمي لا يتوقف فقط على حماية السفن والمنشآت، بل يرتبط بفهم طبيعة الدولة التي تستخدم أدوات الضغط والتهديد كجزء من إستراتيجيتها. أحد أوجه القصور في المقاربة الغربية تجاه إيران خلال العقود الماضية أنها غالبًا ما تعاملت معها كلاعب مستقر يمكن تعديل سلوكه عبر التفاوض أو الضغط أو إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية. لكن التطورات الأخيرة تشير إلى ضرورة إعادة النظر في هذا الافتراض؛ فإيران اليوم ليست فقط قوة إقليمية تسعى إلى توسيع نفوذها، بل دولة تواجه اختبارًا داخليًا حول مستقبل نموذجها السياسي وقدرتها على الاستمرار بالصيغة نفسها.
إن الأمن الخليجي في المرحلة المقبلة لن يُبنى فقط عبر زيادة التنسيق العسكري أو تطوير منظومات الدفاع، بل عبر قراءة شاملة لطبيعة التحولات التي تعيد تشكيل المنطقة. فالردع يحتاج إلى فهم مصدر التهديد بقدر حاجته إلى مواجهة أدواته. لذلك فإن دول الخليج لا تواجه فقط تحدي الصواريخ والطائرات المسيّرة وشبكات النفوذ، بل تواجه أيضًا مرحلة انتقالية داخل إيران قد تعيد تشكيل طبيعة السلوك الإقليمي لطهران. فالأزمة المقبلة قد لا تكون فقط أزمة ردع بين دول، بل أزمة تحول داخل دولة إقليمية كبرى تنعكس تداعياتها على محيطها.
ولهذا فإن النقاش حول مستقبل الشراكة الأمريكية الخليجية يجب ألا يتوقف عند سؤال: كيف تحمي واشنطن حلفاءها؟ بل يجب أن يمتد إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف يتغير الخصم الذي تعيد هذه الشراكة بناء نفسها لمواجهته؟ فإعادة هندسة الأمن الإقليمي تحتاج إلى هندسة موازية لفهم التحولات داخل إيران، لأن تجاهل هذا العامل قد يجعل الإستراتيجية الجديدة أكثر قدرة على احتواء الأزمة، لكنها ستبقى عاجزة عن معالجة جذور عدم الاستقرار.




