أوكرانيا تقلب الموازين

لماذا أصبح وقف إطلاق النار احتمالاً واقعياً
جاك واتلينغ – اندبندنت عربية:
تشير المعطيات الميدانية إلى تحول تدريجي في الحرب الأوكرانية، فبينما تتحسن قدرات كييف البشرية والتكتيكية وتتراجع فاعلية القوات الروسية، يتزايد احتمال دفع موسكو نحو وقف إطلاق النار. لكن أي هدنة محتملة ستبقى هشة، ما لم تدعم بضمانات أمنية واستمرار الضغط العسكري والاقتصادي على الكرملين.
بلغت الحرب في أوكرانيا نقطة تحول. فمنذ فشل الهجوم المضاد الأوكراني عام 2023، أصبح الغزو الروسي الشامل يسير وفق إيقاع متوقع من الهجمات الصيفية والشتوية، تتخلله فترات كانت تخف فيها وطأة العمليات القتالية، فيما كانت الوحدات الروسية تبدل قواتها على الجبهة وتعيد تنظيم صفوفها. وللوهلة الأولى، لا يبدو هذا العام مختلفاً. فمع اقتراب فصل الصيف، تشهد القوات الأوكرانية في خنادقها على طول الجبهة تصاعداً مطرداً للغارات الروسية ومحاولات التسلل. إلا أن المزاج العام بين القادة الأوكرانيين قد تغير. فالهجمات الروسية باتت تشكل ضغطاً أقل على وحداتهم مقارنة بالسنوات السابقة. وعلى رغم استمرار غارات الطائرات المسيرة والقصف المدفعي بوتيرة ثابتة، فإن الأداء القتالي الروسي آخذ في التراجع. وفي كييف، يتنامى التفاؤل بأن أوكرانيا قادرة على مواصلة القتال إلى أن تدفع روسيا نحو قبول وقف إطلاق النار.
في الواقع، إن هذا التحول في المزاج العام في أوكرانيا لا يعود إلى تغيير جذري في أساليب خوض الحرب، بل إلى انعطافة طفيفة في عدد من الاتجاهات التي تشير مجتمعة إلى تغيير كبير في مسار الصراع. فطوال عام 2024 ومعظم عام 2025، تمكنت روسيا من تجنيد عدد من المقاتلين يفوق عدد من تخسرهم، ما سمح للقوات الروسية بتكثيف هجماتها على الوحدات الأوكرانية على رغم تكبدها خسائر فادحة. في المقابل، كانت أوكرانيا تخسر جنوداً بمعدل يفوق قليلاً قدرتها على استبدالهم بمقاتلين جدد، مما جعل خطوطها الدفاعية تصبح أكثر هشاشة وأقل كثافة شهراً بعد شهر. وفي موسكو، أدى هذا إلى اعتقاد متفائل بأن الجيش الروسي، حتى وإن كان تقدمه بطيئاً، سيحتل في نهاية المطاف كامل منطقة دونباس المتنازع عليها في شرق أوكرانيا، التي ادعت روسيا ضمها عام 2022. وكان الكرملين يعتقد أن مكاسبه ستتسارع في مرحلة ما، مع تراجع الدعم الدولي لأوكرانيا ومع مواجهة كييف صعوبة في توفير العدد الكافي من الجنود للدفاع عن كامل امتداد الجبهة. وقد دفع ذلك موسكو إلى اتخاذ موقف متصلب في المفاوضات التي رعتها الولايات المتحدة عقب إعادة انتخاب دونالد ترمب. فحتى إذا فشلت المحادثات، كان الكرملين يتوقع أن يحصل في نهاية المطاف على ما يريده في ساحة المعركة.
إلا أن روسيا لم تعد تسير في طريق حتمي نحو تحقيق حتى هدفها العسكري الأدنى المتمثل في السيطرة على دونباس. فمع نجاح أوكرانيا في تحقيق مكاسب على طول خط الجبهة وإحباطها للهجمات الروسية، ومع تزايد شعور الجيش الروسي بأعباء الحرب وتدهور قدراته القتالية، أصبح ما بدا مستبعداً لفترة طويلة أكثر ترجيحاً. وقد تتمكن كييف وحلفاؤها من إقناع موسكو بأن وقف إطلاق النار هو الخيار الأفضل بالنسبة إليها.
النهضة الأوكرانية
على مدى العامين الماضيين، واجه القادة الأوكرانيون صعوبات جمة نتيجة تناقص القوى البشرية. فقد تجاوزت الخسائر الشهرية عدد المجندين الذين يصلون إلى الوحدات القتالية من مراكز التدريب، فيما أدى عجز الوحدات عن التناوب، بما يتيح للجنود فترات راحة من المهام القتالية، إلى إنهاك المشاة. وعلى رغم تمكن أوكرانيا من حشد نحو 30 ألف جندي جديد شهرياً، فإن أقل من نصف هؤلاء الجنود كانوا يصلون عادة إلى الجبهة. فكثير منهم لم يكونوا لائقين طبياً للخدمة في المعارك، بينما أصيب آخرون بالإحباط نتيجة تدني مستوى التدريب المقدم.
وقد أظهرت دراسة أجراها مكتب المفتش العام للقوات المسلحة الأوكرانية أن فاعلية القوات تتضاءل بصورة ملحوظة إذا اضطرت إلى البقاء لأكثر من 40 يوماً على التوالي في منطقة القتال، بيد أن عمليات التناوب بين القوات كانت محفوفة بالمخاطر، إذ أصبح الجنود الذين يتنقلون ذهاباً وإياباً بين مواقعهم على خط المواجهة عرضة لهجمات طائرات العدو المسيرة ونيرانه المدفعية. ونتيجة لذلك، أمضى بعض الجنود أكثر من 200 يوم بصورة متواصلة في مناطق القتال، مما أدى إلى إرهاق الألوية وإلى ترسيخ الانطباع بأن الخدمة العسكرية تعني تذكرة ذهاب بلا عودة إلى المستشفى أو المشرحة، مما شجع المجندين الجدد على الفرار أثناء التدريب. وبحلول مطلع عام 2026، بلغ عدد الجنود الأوكرانيين المتغيبين عن الخدمة من دون إذن أكثر من 200 ألف جندي.
اقرأ المزيد
اتفاق بين روسيا و”طالبان”… هل يظهر مقاتلو الحركة في أوكرانيا؟
صاروخ “أوريشنيك”… سلاح روسي لترهيب ما وراء أوكرانيا
كواليس انفتاح الغرب على أقرب حلفاء روسيا
معاهدة دفاعية بين بولندا وبريطانيا لمواجهة تهديدات روسيا
بوتين يصعد هجماته على أوكرانيا لتسمع أوروبا رسالته النارية
مع ذلك، بدأ الجيش الأوكراني يتخذ خطوات لمعالجة هذه المشكلات في منتصف عام 2025. ففي السابق، كان أعلى مستوى للتشكيلات التكتيكية في الجيش الأوكراني هو اللواء. عام 2025، أنشأت أوكرانيا أكثر من 12 “فيلقاً” عسكرياً، يتولى كل منها الإشراف على عدة ألوية تابعة له. وكلفت هذه الفيالق مهمة التدريب، بحيث أصبح الجنود يتلقون تدريبهم على أيدي القادة الذين سيقودونهم لاحقاً في المعركة. وعلى رغم أن هذه العملية لا تزال قيد التنفيذ، إلا أنها حسنت بالفعل من جودة التدريب وقللت من حالات فرار الجنود الجدد. كذلك، رفعت بعض الوحدات الأوكرانية مدة التدريب الأساس من خمسة أسابيع إلى ثمانية، لتحسين جاهزية الجنود قبل إرسالهم إلى الجبهة.
لقد تجاوز الجيش الأوكراني المرحلة الأصعب في أزمة القوى البشرية التي كان يواجهها
في الوقت نفسه، بدأت وحدات أوكرانية متعددة في تحسين دمج المشاة والأنظمة غير المأهولة والمدفعية والمدرعات ضمن عملياتها. وعلى خطوط المواجهة، تمكنت هذه الوحدات من تحقيق فترات تفوق ميداني على القوات الروسية مما أفسح المجال أمام تناوب قواتها، بل وتحقيق مكاسب هجومية. وقد ساعدت تكتيكات القتال المشتركة هذه القوات الأوكرانية على إحراز تقدم في كوبيانسك خلال خريف عام 2025 وفي هوليايبولي خلال ربيع عام 2026. والأهم من ذلك، أن الأوكرانيين حافظوا على ميزان خسائر موات لهم، إذ خسروا عدداً أقل من الجنود مقارنة بالروس، حتى عندما كانوا في وضع هجومي، إضافة إلى ذلك أصبحت وحدات الطائرات المسيرة الأوكرانية أكثر قدرة على تنفيذ ما يسميه الجيش الأوكراني “الضربات متوسطة المدى”، وذلك من خلال ضرب أهداف لوجيستية روسية على بعد يصل إلى 100 كيلومتر تقريباً من خط المواجهة، إضافة إلى أن التزايد المستمر في كثافة أنظمة الاستطلاع والضربات الأوكرانية في ساحة المعركة جعل من الصعب على القوات الروسية محاولة التسلل إلى الخطوط الأوكرانية أو تلقي الإمدادات اللازمة. وهذا بدوره يحد من القوة القتالية التي يمكن لروسيا حشدها في أي نقطة على طول خط المواجهة، مما يقلل الضغط على الوحدات الأوكرانية.
وبفضل الجمع بين الإصلاحات وتزايد الكفاءة التكتيكية وتحسين التدريب، تمكن الجيش الأوكراني من تغيير مسار التراجع الذي شهده عام 2024 ومعظم عام 2025. وفي الأشهر الأولى من عام 2026 سجلت الوحدات القتالية زيادة صافية في عدد الأفراد الجدد المنضمين إليها. إلا أن هذه المكاسب لا تزال هشة في الوقت الراهن. فمع ازدياد كثافة الغطاء النباتي من الربيع إلى الصيف، ستتاح للقوات الروسية فرص أكبر للتسلل إلى المواقع الأوكرانية والضغط عليها. وبينما تظهر بعض الوحدات الأوكرانية تحسناً في كفاءتها التكتيكية، لا تزال ألوية أخرى تواجه صعوبات. ومع ذلك، ثمة ما يدعو إلى الاعتقاد بأن التغييرات التي اعتمدها الجيش الأوكراني خلال العام الماضي ستواصل تعزيز قدراته في العام المقبل.
ومن المتوقع أن يسهم نضج تجربة الفيالق العسكرية الجديدة في نشر أفضل الممارسات بما يعود بالفائدة على الألوية التي ما زالت تعاني مشكلات. وأعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن إصلاحات في نظام التعبئة العسكرية وشروط الخدمة، من شأنها أن تضمن انضمام مزيد من المجندين إلى الوحدات القتالية. وتشمل هذه الإصلاحات تحسين الأجور، وتحديد مدة واضحة للخدمة، وإعادة هيكلة التدريب وآليات التعبئة. وعلى رغم استمرار القتال العنيف، إلا أن الجيش الأوكراني قد تجاوز بالفعل المرحلة الأصعب في أزمة القوى البشرية، وأصبح أكثر كفاءة من الناحية التكتيكية في الجمع بين أدوات الحرب الحديثة والوسائل التقليدية القديمة.
المتاعب الروسية
على النقيض من التحسينات الطفيفة، ولكن الإيجابية، في أوضاع الجيش الأوكراني، بدأت القوات الروسية تشهد تراجعاً في أدائها في ساحة المعركة. ويعود ذلك إلى تضافر عوامل عدة. فخلال عامي 2024 و2025، استندت المزايا الروسية في الميدان إلى التزام موسكو بتوظيف احتياطات هائلة من القوى البشرية، وإلى الاستخدام المتكامل للقوة النارية من جانب الجيش الروسي، وهو ما فرض استنزافاً مستمراً على القوات الأوكرانية. ومن الناحية النظرية، ومع تجاوز معدلات التجنيد الروسية لحجم الخسائر، كان بإمكان الكرملين إخضاع بعض الجنود لفترات تدريب أطول، مما يرفع الجودة العامة للقوة العسكرية. إلا أن القيادة الروسية بدت راضية بتقبل خسائر بشرية فادحة ومتواصلة، إذ كانت تدفع بجنود تلقوا ما بين يومين وأسبوعين فقط من التدريب إلى مهاجمة المواقع الأوكرانية. وقد أدى ذلك إلى تكبد روسيا نحو 23 ألف إصابة شهرياً طوال عام 2025.
وقد واكب التجنيد الروسي الخسائر إلى حد كبير بفضل الحوافز المالية القوية التي يقدمها الكرملين، بما في ذلك الرواتب المرتفعة والإعفاءات من الديون. وعلى رغم أن هذا النهج أثبت فاعليته في جذب مجندين جدد يفتقرون إلى المهارات، فإنه لم ينجح في استقطاب عدد مماثل من المتخصصين التقنيين الذين يمكنهم الحصول على رواتب جيدة في الاقتصاد المدني أو في القطاع الصناعي العسكري. فعلى سبيل المثال، يعاني الجيش الروسي من ضعف كبير في تحقيق أهدافه المتعلقة بتجنيد مشغلي الطائرات المسيرة، إضافة إلى أن جعل المال الدافع الرئيس للخدمة العسكرية أدى إلى زيادة في العناصر داخل الوحدات الروسية الذين يسعون بشدة إلى تجنب القتال، فبعض الضباط يقبلون رشى من الجنود الذين لا يرغبون في المشاركة في الهجمات. وفي الوقت نفسه، يعاقب الجنود الذين يخالفون العدد المتزايد من الأوامر العسكرية المتناقضة من خلال إقحامهم في الهجمات. وغالباً ما يطاول هذا النهج المتشدد جنود دعم مهمين، مثل المسؤولين عن الخدمات اللوجيستية، إذا ارتكبوا مخالفات تنظيمية. ففي جيش تنسق فيه العمليات اللوجيستية بصورة كبيرة عبر تطبيق “تيليغرام”، بينما يحظر استخدام التطبيق رسمياً، فإن مسؤول الإمداد الملتزم بالقواعد يواجه خطر أن توقفه الشرطة العسكرية، وأن يتعرض للابتزاز المالي أو لإعادة تعيينه ضمن وحدات الهجوم.
الأداء القتالي الروسي في تراجع
وكانت النتيجة مع مرور الوقت تراكم أفراد ذوي نفوذ وعلاقات يستفيدون من الفساد المالي في المستويات القيادية المتوسطة، مثل مستوى الأفواج، في حين جرى تفريغ الوحدات الأدنى من ذوي الخبرة المهنية نتيجة مقتلهم أو إصابتهم خلال الهجمات. وقد تسبب تراجع الكفاءة في المستويات الدنيا في تدهور الأداء والعجز عن تنفيذ الخطط والأوامر، إضافة إلى أن عدداً كبيراً من الضباط حصلوا على ترقياتهم في ساحة المعركة من دون خضوعهم لتدريب مكثف، وأصبحت مهمتهم الأساسية هي إعداد الجنود نفسياً للهجوم بدلاً من التخطيط لهجمات فعالة وتنفيذها بصورة احترافية.
وفي السنوات السابقة، كان التأثير المدمر للمدفعية الروسية وضربات الطائرات المسيرة والقنابل الانزلاقية يعوض عن الأداء الضعيف للمشاة الروس، لكن ساحة المعركة اليوم تختلف جذرياً عما اعتاد المخططون العسكريون الروس تصوره. فاليوم لم تعد ساحة القتال عبارة عن خطوط مواجهة متقابلة بقدر ما أصبحت شريطاً متنازعاً عليه يبلغ عرضه نحو 30 كلم، تتداخل فيه قوات الطرفين، إضافة إلى أن الأدوات الخرائطية التي يستخدمها المخططون الروس لا تبين بدقة واقع القتال. ونتيجة لذلك، ظهر تباين بين ما يرسمه المخططون العسكريون الروس والأوامر التي يمكن تنفيذها فعلياً على الأرض، مما أدى إلى تزايد عدم الكفاءة في تنسيق الضربات.
كذلك، لا يمتلك الضباط في المستويات الأدنى بالضرورة المعرفة أو المهارات اللازمة لتنفيذ الأوامر التي يتلقونها. علاوة على ذلك، يشجع الضباط في الرتب المتوسطة على رفع تقارير إيجابية عن النجاحات إلى قياداتهم العليا. وقد أدت هذه العوامل إلى اتساع الفجوة بين ما يعتقده كبار القادة الروس في شأن مواقع قواتهم، والحقيقة على الأرض. ونتيجة لذلك، يرتكب الجيش الروسي بصورة متكررة أخطاء في توزيع المدفعية والطائرات المسيرة، ويصدر سلسلة من الأوامر مبنية على معلومات غير صحيحة ولا يمكن تنفيذها عملياً. وباختصار، أصبحت القوات الروسية أقل قدرة على تحويل الخطط إلى عمليات عسكرية فعلية، ما أدى إلى ضعف متزايد في هجماتها.
ثقة من دون تهاون
قد يوحي التزامن بين ازدياد تماسك القوات الأوكرانية وتدهور وحدات القتال الروسية بأن نجاح أوكرانيا أصبح نتيجة حتمية. إلا أن الواقع أبعد ما يكون عن ذلك. فالجيش الروسي لا يزال يضم أكثر من 600 ألف جندي يهاجمون أوكرانيا، إضافة إلى أنه لا يعاني نقصاً في الذخيرة بفضل مجمعه الصناعي العسكري الضخم. ولا تزال الطائرات المسيرة والقنابل الانزلاقية الروسية تعرقل الإمدادات اللوجيستية الأوكرانية، فيما تواصل قوات المشاة الروسية استطلاع المواقع الأوكرانية بحثاً عن الثغرات واستغلالها. واستطراداً، فإن تناقص الدفاعات الجوية الأوكرانية يفتح المجال أمام مزيد من هجمات الطائرات المسيرة وصواريخ كروز في مختلف أنحاء الأراضي الأوكرانية.
ويجد الجيش الأوكراني نفسه مضطراً إلى القتال بشراسة للحفاظ على مواقعه، بل إنه يخسر الأراضي في بعض القطاعات مثل كوستيانتينيفكا. وقد يكون الجنود الأوكرانيون أكثر تفاؤلاً، لكنهم ما زالوا منهكين. وعلى رغم أن بعض الوحدات الأوكرانية قد أظهرت تحسناً كبيراً في أدائها القتالي، إلا أن هناك أيضاً بعض الألوية التي تعاني باستمرار ضعف الأداء، إضافة إلى أن القوات الروسية على مقربة خطرة من مدن أوكرانية رئيسة، مثل زابوريجيا في جنوب البلاد. ولذلك، قد تبدو الكفة التكتيكية في الوقت الراهن راجحة لأوكرانيا، لكن مجال ارتكاب الخطأ يبقى محدوداً للغاية.
ومع ذلك، لا يبدو أن روسيا تسير على طريق استكمال السيطرة على منطقة دونباس بحلول نهاية العام، وهو الهدف الذي حدده الكرملين. ومن دون إعادة تنظيم جوهرية للقوات الروسية، ليس من الواضح ما إذا كانت موسكو ستتمكن من تحقيق هذا الهدف عام 2027 أيضاً. فالحرب تلحق خسائر فادحة بروسيا، والجهد العسكري الروسي في مأزق.
يجب على شركاء أوكرانيا مواصلة ممارسة ضغط كافٍ على روسيا
ولا توجد حتى الآن أي مؤشرات إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد غير رأيه بأن أوكرانيا ينبغي ألا تكون دولة مستقلة أو أنه تخلى عن رغبته في إخضاعها، لكن بوتين أظهر سابقاً أنه يستجيب للحقائق الميدانية عندما يصبح من المستحيل تجاهلها، مثلما حدث عند انسحاب القوات الروسية من كييف وخيرسون عام 2022. لذا، يبقى السؤال المطروح: كيف سيتصرف الكرملين عندما يدرك أن آفاقه العسكرية أصبحت أقل إشراقاً؟
ويكمن الخطر الأكبر في أن يصعد الكرملين الموقف ويبدأ عملية أكثر تنسيقاً وشمولاً للتعبئة العسكرية، مما يسمح بالتجنيد الإجباري للمتخصصين الذين يحتاج إليهم الجيش الروسي، فضلاً عن حشد احتياط كبير من القوى البشرية. وقد يؤدي ذلك إلى تحقيق مكاسب عسكرية روسية في أوكرانيا، لكنه يحمل في الوقت نفسه أخطاراً سياسية واقتصادية كبيرة داخل روسيا. فالبنك المركزي الروسي يحذر بالفعل من أن البلاد تواجه نقصاً حاداً في اليد العاملة. ومع التدهور الذي أصاب الجيش الروسي إلى هذا الحد، يبقى من غير الواضح ما إذا كانت القوات المسلحة ستتمكن من الاستفادة بفاعلية من تدفق كبير من القوى البشرية الجديدة. ومن المرجح أن الكرملين بصدد دراسة عواقب مثل هذا الإجراء الجذري. وقد أوصى الجيش بتعبئة أوسع نطاقاً في عدة مراحل من الحرب، لكن بوتين رفض ذلك باستمرار.
وثمة احتمال آخر يتمثل في أن يوقف الكرملين أي هجمات كبيرة ويتخذ وضعية دفاعية أكثر، من دون الموافقة على وقف إطلاق النار، مع الاستمرار في قصف أوكرانيا بالطائرات المسيرة وصواريخ الكروز والباليستية طوال فصل شتاء آخر. وقد يرى بوتين أن روسيا تستطيع ببساطة إطالة أمد الصراع أكثر مما تستطيع كييف تحمله، لكن هذا الخيار يصبح أكثر صعوبة كلما أثبت الأوكرانيون قدرتهم على تنفيذ عمليات هجومية أكثر فاعلية، إضافة إلى أن الاستخدام المتزايد من جانب أوكرانيا للضربات بعيدة المدى ضد مواقع مهمة للاقتصاد الروسي سيجعل من الأصعب على موسكو شن حرب لا نهاية لها.
من سيئ إلى أسوأ
إذا تمكنت أوكرانيا من تعزيز الاتجاهات الحالية خلال ما تبقى من العام، بحيث يتصاعد أداء قواتها بينما يتراجع أداء روسيا، فسيصبح من المرجح أكثر من أي وقت مضى أن تتمكن كييف وشركاؤها من إقناع موسكو بجدوى قبول وقف إطلاق نار غير مشروط. وينبغي على شركاء أوكرانيا أن يدرسوا بعناية كيف يمكن جعل هذا المسار جذاباً للكرملين، إذ توجد عدة عقبات محتملة قد تعوق العملية وتدفع بوتين إلى إطالة أمد الصراع، ولكن هناك أيضاً فرصة متنامية لإقناع بوتين بأن وقف إطلاق النار هو الخيار الأقل مخاطرة بالنسبة إليه.
هذا لا يعني أن بوتين سيتخلى عن عدائه تجاه أوكرانيا. ولكن هذا قد يقنع الكرملين بأن وقف إطلاق النار يوفر أفضل سبيل لتحقيق أهدافه النهائية، بعدما فشل حتى الآن في بلوغها في ساحة المعركة. ولا شك في أن بوتين سيسعى إلى استغلال الهشاشة السياسية والاقتصادية التي قد تواجهها أوكرانيا لاحقاً لاستخدامها كورقة ضغط على كييف. وقد يتيح هذا التوقف الموقت لموسكو فرصة لإصلاح بعض المشكلات التي يعانيها جيشها، مما يبقي أوكرانيا معرضة لخطر هجوم محتمل جديد في أي لحظة.
أما الشعب الأوكراني، فسيرحب من جهته بفترة من الراحة من وطأة الحرب. وإذا توصلت أوكرانيا وروسيا إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، فسيمثل ذلك إنجازاً كبيراً لكييف، وسيتيح فرصة للعمل من أجل تحقيق سلام دائم. إلا أنه سيحمل في طياته أيضاً أخطار جمة.
ومن المرجح أن يضغط الشعب الأوكراني على الحكومة لتسريح الجنود، أو في الأقل استبدال الجنود المنهكين ذوي الخبرة على خط المواجهة بقوات جديدة، ولكن أقل خبرة. فبعد سنوات من الاستنفار الحربي، ستجد البلاد نفسها مضطرة فجأة للتعامل مع الدمار الهائل الذي لحق بصناعاتها وبنيتها التحتية. وستتصدع الوحدة السياسية التي سادت في البلاد مع تصاعد المطالبات بإجراء انتخابات. ومع تراجع الشعور بالتهديد الروسي المباشر، قد يصبح الشركاء الأوروبيون أقل سخاءً في دعم تمويل الدفاع الأوكراني. وباختصار، سيجد البلد نفسه في وضع هش، بينما ستجد روسيا فرصاً سانحة وفيرة لزعزعة استقرار جارتها.
وعلى رغم أن إنهاء الحرب بنجاح ليس مضموناً بأي حال من الأحوال، فإنه أصبح الآن احتمالاً واقعياً. ويتطلب جعل هذا الاحتمال أكثر ترجيحاً أن تواصل كييف تعزيز دفاعاتها من خلال استكمال إصلاح قواتها وإعادة هيكلتها. ويجب على شركاء أوكرانيا الدوليين الاستمرار في ممارسة ضغط كاف على روسيا من خلال مواصلة تسليح أوكرانيا وفرض عقوبات اقتصادية على الكرملين. وقد بدأت الأخطار السياسية والاقتصادية المترتبة على استمرار الحرب إلى ما أجل غير مسمى تؤثر في حسابات الكرملين. وينبغي على شركاء أوكرانيا تقييم السبل التي يمكنهم من خلالها المساعدة في تغيير حسابات موسكو. وفي ظل الانسحاب التدريجي لواشنطن من أوروبا، أصبح من المهم بصورة متزايدة أن تفكر القارة بجدية في كيفية الحفاظ على السلام الهش وترسيخه في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار. ففي النهاية، يعد وقف إطلاق النار شرطاً أساساً لأمن أوكرانيا وازدهارها، ولكنه لا يضمنهما.
جاك واتلينغ هو باحث بارز متخصص في شؤون الحرب البرية في “المعهد الملكي للخدمات المتحدة” (روسي) في لندن، ومؤلف كتاب “فن الحكم: قواعد القوة الجديدة في عالم منقسم”.




