أوروبا في فخ الاستنزاف

المواجهة الأوروبية-الروسية الراهنة تقوم على “ردع الكلفة”؛ حيث لم يعد الهدف منع الحرب بقدر ما أصبح إدارة مستوى الاستنزاف بحيث يبقى مستمرًا دون أن ينزلق إلى مواجهة شاملة.
لم تعد المواجهة بين بروكسل وموسكو تُقاس بعدد القوات على الحدود، بل بقدرة كل طرف على فرض كلفة استراتيجية مستدامة على الآخر. فمنذ صيف 2026، دخل الصراع مرحلة يمكن وصفها بـ”عقيدة الاستنزاف الممتد”، حيث لم يعد الهدف تحقيق انتصار عسكري سريع، بل إدارة إنهاك الخصم على المدى الطويل.
في قلب هذه العقيدة، تتحول “المنطقة الرمادية” إلى المسرح الرئيسي للصراع؛ إذ جعل بوتين منها خيارًا استراتيجيًا طويل الأمد، يقوم على ممارسة ضغوط أمنية واقتصادية وسيبرانية تبقى دائمًا “تحت عتبة المادة الخامسة” من ميثاق الناتو، بحيث لا تمنح الحلف ذريعة للرد العسكري الشامل، لكنها تضمن في الوقت ذاته إبقاء الدول الأوروبية في حالة “تأهب عصبي” دائم.
هذه الاستراتيجية تبرز بوضوح في تكثيف الهجمات السيبرانية على البنية التحتية للطاقة، ومحاولات التخريب المادي لكابلات البيانات تحت البحر، بالتوازي مع حملات تضليل إعلامي تستهدف تآكل الثقة بين الناخب الأوروبي ومؤسساته الديمقراطية. إنها حرب تُقاس فيها النتائج بتآكل الإرادة السياسية قبل تدمير القدرات العسكرية.
لكن أخطر ما في “هندسة الاستنزاف” ليس الكلفة المادية، بل إعادة تشكيل إدراك الخصم. فنجاح الحرب الهجينة لا يُقاس بعدد المنشآت المعطلة، وإنما بقدرتها على جعل صانع القرار يعيش في حالة يقين متآكل، حيث يصبح الخوف من الهجوم التالي أكثر تأثيرًا من الهجوم نفسه. وعندما يتحول الأمن إلى إدارة دائمة لعدم اليقين، تكون موسكو قد حققت جزءًا مهمًا من أهدافها دون خوض مواجهة مباشرة.
أوروبا تواجه صراعًا طويل الأمد مع روسيا يقوم على “توازن الاستنزاف” حيث تتحول الهجمات السيبرانية والضغوط الاقتصادية إلى أدوات إنهاك تدريجي بدل المواجهة العسكرية المباشرة
وهذا هو جوهر “هندسة الاستنزاف”: إعادة تصميم بيئة الصراع بحيث يتحول الخصم إلى مستنزِف لموارده قبل أن يكون مستهدفًا بقوة خصمه.
من منظور استراتيجي، أدت هذه التهديدات إلى تغيير جذري في الهوية الدفاعية الأوروبية. القارة التي كانت تعتمد لعقود على الضمانات الأمنية الأميركية، بدأت تشق طريقها نحو “الاستقلالية الدفاعية”. التوجه الآن ليس فقط لرفع ميزانيات الدفاع، بل للانتقال إلى “الإنتاج المتسلسل” للأسلحة والذخيرة، وهو مسار يؤكد أن بروكسل تستعد لحرب طويلة، وليست مجرد أزمة عابرة.
لكن هذا “الانكفاء” نحو الحدود الشرقية يحمل في طياته تبعات إقليمية تتجاوز القارة الأوروبية. فمع انشغال العواصم الأوروبية بـ”تحصين القلعة”، يبرز تساؤل مشروع لدى مراقبي الشأن الدولي: إلى أي مدى ستبقى أوروبا قادرة على الحفاظ على نفوذها في ملفات الشرق الأوسط؟ إن تشتت الجهد الأمني الأوروبي يعني بالضرورة تراجعًا في التأثير السياسي، ما يترك فراغًا قد تجد قوى إقليمية ودولية أخرى طريقها لملئه.
على الجانب الآخر، وفيما تحاول موسكو تصدير صورة “النظام القوي”، تكشف التقارير الميدانية عن ارتباك استراتيجي تحت السطح. إن تكاليف الاستنزاف في أوكرانيا، مقرونة بضغوط العقوبات وتفكيك “أساطيل الظل” الروسية، بدأت تضع بوتين في زاوية صعبة. فروسيا اليوم تحاول فرض نفوذها عالميًا بينما تعاني داخليًا من ضغوط اجتماعية واقتصادية صامتة، مما يعزز اعتماد الكرملين على التصعيد الخارجي كأداة للحفاظ على الزخم السياسي وإدارة الضغوط الداخلية.
إن المعادلة التي تحكم العلاقة بين روسيا وأوروبا اليوم لم تعد تقوم على “توازن الرعب” بالمفهوم الكلاسيكي، بل على “توازن الاستنزاف”؛ حيث يدرك كل طرف أن كلفة الحرب الشاملة تفوق قدرته على الاحتمال، فيسعى بدلًا من ذلك إلى إنهاك خصمه تدريجيًا، عبر تراكم الضغوط الاقتصادية والسيبرانية والسياسية. إنها منافسة على القدرة على الصمود أكثر من كونها منافسة على تحقيق نصر عسكري حاسم.
وإذا كانت الحرب الباردة قد قامت على معادلة الردع النووي، فإن المواجهة الأوروبية-الروسية الراهنة تقوم على “ردع الكلفة”؛ حيث لم يعد الهدف منع الحرب بقدر ما أصبح إدارة مستوى الاستنزاف بحيث يبقى مستمرًا دون أن ينزلق إلى مواجهة شاملة. وبهذا المعنى، لم تعد القوة تُقاس بقدرة الدولة على حسم المعركة، بل بقدرتها على تحمّل كلفة الصراع لفترة أطول من خصمها.
هذا الاستنزاف الممتد يفرض على أوروبا اختبارًا تاريخيًا يتجاوز القوة العسكرية إلى القدرة على الصمود السياسي والاجتماعي فيما تستفيد الصين من الفراغ لتعزيز نفوذها العالمي
وفي خضم هذا الاستنزاف المتبادل، تبدو الصين أقل انخراطًا في الصراع، لكنها ليست مجرد مراقب. فكلما طال أمد الاستنزاف بين روسيا وأوروبا، ازدادت الفرص أمام بكين لتعزيز حضورها الاقتصادي والتكنولوجي، وإعادة توسيع نفوذها في المساحات التي ينكمش فيها الدور الأوروبي. ومن هذا المنظور، لا تبدو الصين طرفًا في المواجهة بقدر ما تبدو المستفيد البنيوي والاستراتيجي منها، إذ يسمح استمرار الاستنزاف بإعادة تشكيل موازين القوة العالمية تدريجيًا لصالحها، دون أن تتحمل كلفة الانخراط المباشر في الصراع.
لقد أدخلت روسيا وأوروبا العالم إلى مرحلة لم تعد فيها الحرب تُقاس بالسيطرة على الأرض، بل بالقدرة على التحكم في زمن الصراع وكلفته. ومن ينجح في فرض إيقاع الاستنزاف على خصمه، يمتلك أفضلية استراتيجية حتى دون تحقيق انتصار عسكري تقليدي.
وبذلك، لم تعد الحرب الهجينة مرحلة انتقالية بين السلم والحرب، بل أصبحت نموذجًا مستقلاً لإدارة الصراعات الدولية في القرن الحادي والعشرين.
وهذا التحول يضع أوروبا أمام اختبار تاريخي يتجاوز القدرة العسكرية إلى القدرة على إدارة الصمود السياسي والاجتماعي، في مواجهة صراع لا تُحسم معاركه فقط في الميدان، بل في قدرة المجتمعات على تحمّل كلفته الممتدة.
ويبقى السؤال الذي يواجه قادة أوروبا في هذا الصيف الساخن: هل ستتحمل المجتمعات الأوروبية ضريبة هذا “الاستنزاف الممتد” لفترة أطول؟ أم أن “الخطأ في الحسابات” قد يصبح الشرارة التي تحول هذه المواجهة الهجينة إلى صدام مباشر، لا يريده أحد، لكن الجميع يستعد له؟




