أوروبا.. القرار الأقسى والخيار الأخير

كتبت يسرا عادل, في الخليج:
حين لا تعود الحروب صاخبة، بل ثقيلة، وحين يصبح استمرارها أكثر كلفة من نهايتها، تبدأ السياسة بتغيير لغتها قبل أن تغيّر قراراتها. هكذا تماماً يمكن قراءة التحول الأوروبي الراهن تجاه موسكو، لا بوصفه انعطافة مفاجئة، بل باعتباره نتيجة تراكم بطيء لتعب استراتيجي طال أكثر مما يُحتمل. قبل سنوات قليلة فقط، كان مجرد التفكير في فتح قناة حوار مع الكرملين يُعد خيانة أخلاقية داخل القارة العجوز، وكان رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، يبدو وحيداً، شبه منبوذ، يشذ عن الإجماع الأوروبي، ويغرّد خارج سرب بروكسل. إلى جانبه، وقف عدد محدود من برلمانيي اليمين المتطرف.
اليوم، وبعد أكثر من ثلاث سنوات من حرب لم تحسم، تشير التقديرات إلى أن القارة دفعت مئات المليارات بين دعم عسكري ومالي، واستيعاب ملايين اللاجئين، وارتفاع غير مسبوق في كلفة الطاقة والغذاء، فضلاً عن خسائر غير مرئية في النمو والاستقرار الاجتماعي. هذه الأرقام، التي كانت تُبرر في بدايات الحرب باعتبارها «ثمن الدفاع عن القيم»، تحولت اليوم إلى عبء ثقيل على الميزانيات العامة، وإلى سؤال مفتوح داخل المجتمعات الأوروبية: ما العائد السياسي والاستراتيجي لكل هذا النزف؟
لكن، لم يعد المشهد كما كان، تصريحات إيمانويل ماكرون الأخيرة، عن ضرورة إعادة فتح الحوار مع روسيا، وتلقف جورجيا ميلوني لها من دون تردّد، لم يكونا مجرّد موقفين شخصيين، بل علامتان على تغيّر أعمق في المزاج السياسي الأوروبي. أوروبا التي رفعت سقف المواجهة إلى حدودها القصوى، اكتشفت أن الحرب الطويلة لا تُنهك الجبهات وحدها، بل تُنهك المجتمعات، والاقتصادات، والشرعية السياسية ذاتها. التضخم الذي ضرب الطبقات الوسطى، وأزمات الطاقة التي أعادت القلق إلى شتاءات أوروبا، والميزانيات الدفاعية التي التهمت أولويات اجتماعية مزمنة، كلها عناصر صنعت سؤالاً جديداً داخل الوعي الأوروبي: إلى متى؟ ولأيّ غاية؟ هذا السؤال لم يولد في غرف السياسيين، بل في الشارع، ثم صعد إلى صناديق الاقتراع، حيث وجد اليمين الشعبوي أرضاً خصبة، لا لأنه مؤيد لروسيا بالضرورة، بل لأنه معارض لحرب بلا أفق.
هذا التيار، الذي كان يُصور سابقاً كتهديد للنظام الأوروبي، بات اليوم أحد محركاته الصامتة، يضغط من أسفل الهرم، ويفرض على النخب إعادة حساباتها. وفي خلفية هذا التحول، يقف عامل آخر لا يقل أهمية: الانحراف الأمريكي عن المسار التقليدي. فعودة دونالد ترامب إلى المشهد السياسي الأمريكي، بخطابه الفجّ عن أوروبا، وبتصريحاته التي خلطت أوراق الدبلوماسية العالمية زرعت قلقاً استراتيجياً حقيقياً داخل القارة.
في هذا السياق، لم يعد فتح «أبواب» أو «نوافذ»، مع موسكو، خياراً أخلاقياً، بل ضرورة سياسية لإدارة المخاطر. هنا تتمايز العواصم: دول مثل فرنسا وإيطاليا وسلوفاكيا، تميل إلى فتح أبواب حوار أوسع، مدفوعة برغبة في استعادة زمام المبادرة الأوروبية، ودول أخرى، كبلجيكا والنمسا وإسبانيا واليونان تفضل نوافذ ضيقة، حذرة، لا تصطدم بالإجماع، لكنها تترك هواء يتسرّب.
في المقابل، تقف دول البلطيق، بولندا، فنلندا وبريطانيا، في موقع الخوف التاريخي من التوغل الروسي، وترى في موسكو تهديداً وجودياً، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن تغير السلوك الأمريكي قد يفرض عليها التعايش مع واقع لا تريده. هذا الانقسام لا يعني تفكك أوروبا، بل انتقالها من حالة اليقين إلى حالة الموازنة. وفي لحظة كهذه، لا تتوقف التداعيات عند حدود القارة. فإعادة تموضع أوروبا تجاه روسيا تفتح تلقائياً مساراً جديداً لعلاقاتها مع الشرق الأوسط، ودول الخليج.
أوروبا الباحثة عن استقلال استراتيجي تحتاج إلى شركاء طاقة موثوقين، وإلى قنوات تواصل مع قوى قادرة على لعب دور الوسيط لا الخصم. هنا يبرز الخليج بوصفه مساحة توازن نادرة، علاقات مستقرة مع الغرب، قنوات مفتوحة مع موسكو، وبراغماتية سياسية أثبتت قدرتها على الصمود في زمن الاستقطاب. وفي حال تشكّل تقارب أوروبي-روسي بغطاء خليجي، قد نشهد تحولات عميقة: مرونة أكبر في أسواق الطاقة، أدواراً خليجية متقدمة في الوساطة الدولية، وتراجعاً نسبياً لمنطق المحاور الصلبة الذي خنق الدبلوماسية خلال العقد الأخير.
ليس الحديث هنا عن تحالفات جديدة، بل عن شبكة مصالح تتقاطع عند نقطة واحدة: إدارة عالم لم يعد يحتمل الحروب الطويلة، ولا الخطابات الأخلاقية المجرّدة. أوروبا لا تغيّر معسكرها، لكنها تغيّر تعريفها لنفسها، تنتقل من التبعية إلى المحاولة، ومن اليقين إلى البراغماتية، ومن الصدام إلى التفكير في ما بعده. فتح نوافذ القيصر لا يعني الثقة به، كما أن النظر شرقاً لا يعني التخلي عن الغرب، بل الاعتراف بأن العالم لم يعد يُدار من زاوية واحدة. وفي هذا الاعتراف، تحديداً، تكمن بداية مرحلة جديدة، أقل صخباً، وأكثر قلقاً، لكنها ربما أقرب إلى الواقع، والحكمة اليوم تكمن في القدرة على التوازن حين ينهار كل يقين سابق.




