رأي

أميركا شريكة في جرائم حرب إسرائيل

رندة حيدر – العربي الجديد:

ترافقت الضجّة التي أثارها الفيلم الوثائقي الإسرائيلي “نازا” (ضرر جانبي)، الذي وثّق شهادات ضبّاط وجنود إسرائيليين بشأن جرائم ارتكبها جيش الاحتلال ضدّ المدنيين الفلسطينيين في حرب الإبادة في غزّة، مع خبر آخر هو عزم الإدارة الأميركية على تزويد إسرائيل بـ40 ألف قنبلة يبلغ وزن الواحدة منها طنَّيْن، وتستخدمها إسرائيل على الأرجح في حربها ضدّ الفلسطينيين في الضفّة الغربية وغزّة، وضدّ اللبنانيين، خصوصاً في الجنوب الذي يتعرّض لعملية تدمير إسرائيلية منهجيّة منذ أشهر، غيّرت معالمه وحوّلته إلى أرض خالية من الناس، ومبانٍ مدمّرة، وخراب ما بعده خراب.

عند قراءة الخبرَيْن، تبرز تساؤلات قلقة مثل: هل يمكن أن تكون إدارة الرئيس ترامب غير واعية بأنّ السلاح الذي تقدّمه لإسرائيل يُستخدم في عمليات قتل جماعي؟ وأيّ مسؤولية أخلاقية وقانونية تتحمّلها هذه الإدارة عن سياستها هذه؟

فيلم “نازا” حصيلة مقابلات استمرّت ثلاث سنوات، أجراها مخرجا الفيلم يوفال أبراهام وراحيل تسور، على أسطح مبانٍ في تل أبيب، مع ضبّاط مخابرات وجنود جلسوا خلف الشاشات وشاركوا عن بُعد في عمليات قتل في غزّة، وقادوا هجمات، وتنصّتوا إلى مكالمات هاتفية، وكتبوا خوارزميات، ووفقاً لشهاداتهم، شاركوا في قتل عشرات آلاف من الفلسطينيين في غزّة، معظمهم من الأطفال والنساء والرجال غير المسلّحين.

لا يقتصر الفيلم، بحسب المخرجَيْن، على شهادات أفراد، بل يتناول منظومة القتل الجماعي الإسرائيلية. وهو لا يتناول جرائم حرب منفردة، وإنّما الأوامر وأنماط العمل والسياسة العسكرية. والاستنتاج الذي توصّل إليه المخرجان استناداً إلى الشهادات العديدة واضح: كان القتل الجماعي للسكّان المدنيين الفلسطينيين في غزّة فعلاً ممنهجاً ومتعمّداً ومحسوباً ومعروفاً مسبقاً.

وبالتالي، فإنّ قتل ما لا يقلّ عن 73 ألف إنسان لم يكن “ضرراً جانبياً مأساوياً لحرب ضدّ حماس”، كما يصوّر الأمر عادةً في إسرائيل، بل كان نتيجةً مباشرةً لحرب ضدّ سكّان غزّة. إنّها حرب إبادة جماعية، بحسب باحثين إسرائيليين وفلسطينيين ودوليين، ومنظّمات حقوق الإنسان الكُبرى في العالم.

فيلم “نازا” تذكير آخر بحرب الإبادة المستمرّة التي كان يتحدّث عنها الفلسطينيون على كلّ المنابر منذ ثلاث سنوات

أثار الفيلم خضّةً كبيرةً داخل إسرائيل، على المستويات، السياسي والعسكري والإعلامي، وعلى صعيد المجتمع الإسرائيلي عموماً. كما وجّه ضربةً قاصمةً لجدار الإنكار والتبرير والذرائع الإسرائيلية الكثيرة التي برّرت حرب غزّة، وشعارات مثل “لا يوجد أبرياء في غزّة”، ونزع الصفة الإنسانية عن الغزّيين. ويمثّل الفيلم اعترافاً مباشراً من الضبّاط والجنود الذين أُجريت المقابلات معهم بمسؤوليتهم عن المقتلة. وإذا كان بإمكان الطيّارين وجنود سلاح المشاة التحجّج بالقول إنّ دورهم كان يقتصر على تنفيذ الأوامر، ولم تكن لديهم فكرة عن الأضرار الجانبية التي لحقت بالمدنيين الفلسطينيين، فإنّ المسؤولين عن شعبة الاستخبارات والجنود الذين يعملون في جمع المعلومات وبناء الخوارزميات واستخدام الذكاء الاصطناعي في تقدير “الأضرار الجانبية”، أي عدد المدنيين الذين سيُقتلون في الاستهدافات، كانوا يدركون، بما لا يدع مجالاً للبس، مسؤوليتهم حيال أعمال القتل الجماعي.

من هنا، لا يدين الفيلم فقط المنظومة العسكرية التي نفّذت الأوامر، بل أيضاً المنظومة السياسية التي هندست سياسات القتل الممنهج للمدنيين. وهو يوجّه أصابع الاتهام إلى المجتمع الإسرائيلي برمّته، وإلى الناس العاديين الذين، أنكروا عمليات القتل الجماعي، أو تجاهلوها، أو ببساطة لم يعبأوا بما يجري، الأمر الذي يذكّر بمحرقة اليهود في أوروبا الغربية إبّان الحرب العالمية الثانية، والصمت المريب للمجتمعات والسكّان المحلّيين وتجاهلهم لما يحدث من حولهم. كما يشكّل الفيلم إدانةً لتواطؤ الإعلام الإسرائيلي مع المنظومة القائمة، وعدم قيامه بواجبه في نقل الحقيقة، والترويج للسردية الرسمية من دون نقاش أو محاسبة.

ردّات الفعل الإسرائيلية الغاضبة والرافضة محتوى الفيلم، أو المؤيّدة له، تعكس عمق الاستقطاب والانقسام اللذين تعيشهما إسرائيل التي تخوض حالياً معركة انتخابية مصيرية بالنسبة إلى اليمين الإسرائيلي بزعامة بنيامين نتنياهو وأحزاب المعارضة المنافسة له. ناهيك عن الحرب المفتوحة التي يخوضها الجيش الإسرائيلي في أكثر من جبهة، في الضفّة الغربية أو غزّة أو جنوب لبنان وفي سورية، مع التهديدات بإمكانية تجدّد الحرب مع إيران.

“نازا” إدانةً لتواطؤ الإعلام الإسرائيلي مع المنظومة القائمة وترويج السردية الرسمية من دون نقاش

لقد سارع نتنياهو إلى استغلال الفيلم بالهجوم على خصمه الرئيس، غادي أيزنكوت، وحزب الديمقراطيين، متّهماً إيّاهما بتشجيع هذه الأصوات الخائنة لوطنها. وفي الوقت عينه، بدأت أبواق تابعة له شنّ حملة تحريض وتشويه ضدّ مخرجَي الفيلم ومموّليه البريطانيين، سيّما أنّ هذا يأتي في سياق خلاف حادّ نشب بين إسرائيل وبريطانيا جرّاء قرار الأخيرة بمقاطعة المنتجات القادمة من المستوطنات اليهودية في الضفّة الغربية، ومطالبة وزير المال بتسلئيل سموتريتش بطرد السفير البريطاني، وكلام وزير الخارجية جدعون ساعر عن إغلاق القنصلية البريطانية.

في هذه الحملة ضدّ محتوى الفيلم، تمتزج الادّعاءات بتعرّض إسرائيل لحملة معاداة للسامية، ومحاولة تجريم الجنود الإسرائيليين وتعريضهم للمحاكمة والملاحقة، والمساس بالصورة الأخلاقية لهذا الجيش الذي لا يزال يتمتّع بثقة أغلبية الإسرائيليين، مع افتراضات مُضلِّلة بأنّ ما يجري خطّة جهنّمية تستهدف إسرائيل للنيل منها وللتأثير في نتائج الانتخابات، ومع كلّ ما يرافق هذا من ضرب على الوتر القومي والوطني في محاولة لاستنهاض الهمم ورصّ الصفوف.

وفي الواقع، فيلم “نازا” تذكير آخر بحرب الإبادة المستمرّة التي كان يتحدّث عنها الفلسطينيون على كلّ المنابر منذ ثلاث سنوات. لكنّ الصرخة التي يطلقها الفيلم ستكون مسموعةً أكثر لأنّها تأتي من ضفّة الجلّاد لا من ضفّة الضحية. وكلّ الدول التي تسلّح منظومة الإبادة الإسرائيلية مسؤولة أخلاقياً وإنسانياً عن الجرائم التي ارتكبتها وترتكبها إسرائيل منذ 7 أكتوبر (2023).

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى