أمل جماعي رغم الندوب: عالمان عند بوابة 2026

كتب علي قاسم في صحيفة العرب.
العالم يصرّ على أن يبدأ من جديد، أن يعلن بصوتٍ عالٍ: نحن هنا، ما زلنا قادرين على الفرح، ما زلنا نؤمن بأن الغد يمكن أن يكون أفضل.
من توقف ليسأل كيف أمضى الغزيون يومهم بين الأنقاض، أو السودانيون في مخيمات النزوح، أو المهجرون في المنافي البعيدة؟ بينما كانت الشاشات تنقل صور الألعاب النارية في سيدني ونيويورك وريو دي جانيرو، كان هناك عالم آخر لا يعرف سوى ضوء القذائف، ولا يسمع سوى صدى الانفجارات أو صمت الخيام. نحن نعيش في عالمين: عالم يحتفل مبتهجًا، وعالم آخر يواجه التشرد والخذلان.
في الأول، تُضاء السماء بألوان زاهية، وتُرفع الكؤوس، وتُطلق الأمنيات. وفي الثاني، تُضاء السماء بنيران الحرب، وتُرفع الأيدي طلبًا للنجاة، وتُطلق الصرخات بدل الأمنيات. هذه المفارقة ليست جديدة، لكنها في كل عام تتجدد، لتذكرنا بأن العدّ التنازلي لا يُحسب بنفس الطريقة في كل مكان، وأن منتصف الليل ليس لحظة واحدة بل لحظات متعددة، تختلف باختلاف الجغرافيا والقدر.
من أقصى الجزر القريبة من خط التاريخ الدولي في المحيط الهادئ، حيث كيريتيماتي (جزيرة كريسماس) وتونغا ونيوزيلندا، انطلقت أولى لحظات منتصف الليل. هناك، كان الزمن يسبق العالم بخطوة، وكأن هذه الجزر الصغيرة تحمل عبء افتتاح العام الجديد نيابة عن البشرية كلها.
العدّ التنازلي لاستقبال العام الجديد لا يُحسب بنفس الطريقة في كل مكان ومنتصف الليل ليس لحظة واحدة بل لحظات متعددة تختلف باختلاف الجغرافيا والقدر
وفي أستراليا، كانت سيدني على موعد مع عرضٍ مذهل للألعاب النارية، كما اعتادت أن تفعل كل عام. أربعون ألف قذيفة مضيئة انطلقت على امتداد سبعة كيلومترات، لتضيء المباني والسفن على طول الميناء، وتحوّل السماء إلى لوحة من الألوان المتفجرة. لكن خلف هذا البهاء، كان هناك ظلٌ ثقيل: قبل أسابيع قليلة فقط، شهدت المدينة مقتل خمسة عشر شخصًا على يد مسلحين في فعالية دينية، ما جعل الاحتفالات محاطة بانتشار كثيف للشرطة، وبدقيقة صمت حزينة عند الساعة الحادية عشرة مساءً. رئيس بلدية سيدني قالها بوضوح “بعد نهاية مأساوية لذلك العام في مدينتنا، نتمنى أن تكون ليلة رأس السنة فرصة للتكاتف والتطلع بأمل إلى عام 2026 ليكون مليئًا بالسلام والسعادة.”
في سول، العاصمة الكورية الجنوبية، كان المشهد مختلفًا لكنه لا يقل رمزية. آلاف تجمعوا في جناح جرس بوشينجاك، حيث تم قرع الجرس البرونزي ثلاثًا وثلاثين مرة عند منتصف الليل. تقليد بوذي قديم، يحمل اعتقادًا بأن صوت الجرس يبدد سوء الحظ ويفتح أبواب السلام والازدهار. هناك، بدا الزمن وكأنه يتطهر بالصوت، وكأن كل ضربة على الجرس تعيد ترتيب ذاكرة العام المنصرم.
وعلى بعد ساعة إلى الغرب، عند سور الصين العظيم خارج بكين، كان الاحتفال أكثر صخبًا. قرع الطبول، لوحات تحمل الرقم 2026، ورمز الحصان الذي سيحل في فبراير وفق التقويم القمري الصيني. الحصان هنا ليس مجرد رمز فلكي، بل استعارة عن القوة والاندفاع، عن عامٍ يُرجى أن يكون أكثر سرعة في تجاوز الأزمات.
أما هونغ كونغ، فقد اختارت أن تُطفئ الألعاب النارية هذا العام، بعد الحريق الكبير الذي اجتاح مجمعًا سكنيًا في نوفمبر وأودى بحياة 161 شخصًا. بدلاً من ذلك، أقيم عرض ضوئي على واجهات المباني تحت شعار “آمال جديدة، بدايات جديدة”. كان الضوء هنا أكثر صدقًا من النار، وأكثر ملاءمة لمدينة ما زالت تداوي جراحها.
في النصف الآخر من العالم، على شاطئ كوباكابانا في ريو دي جانيرو، كان الاحتفال موسيقيًا صاخبًا، تتخلله الألعاب النارية التي انعكست على مياه الأطلسي. المنظمون هناك يأملون في تحطيم الرقم القياسي العالمي لأكبر احتفال بليلة رأس السنة، وكأن البرازيل أرادت أن تقول للعالم: رغم الأزمات، ما زال الفرح ممكنًا، وما زالت الموسيقى قادرة على أن تكون لغة جماعية للنجاة.
أما نيويورك، فقد حافظت على طقسها الأشهر: كرة رأس السنة في ساحة تايمز سكوير. آلاف احتشدوا، قصاصات ورقية ملأت الهواء، ورئيس البلدية ضغط على الزر الكريستالي ليعلن بداية العام الجديد. هناك، بدا المشهد وكأنه مسرحية متكررة، لكن الجمهور لا يملّ منها، لأنها تمنحهم لحظة جماعية من الانتماء إلى الزمن نفسه.
في أثينا، كان الاستقبال أكثر هدوءًا، وأكثر انسجامًا مع روح المكان. عند معبد البارثينون القديم في الأكروبوليس، استخدمت الألعاب النارية الصامتة والصديقة للبيئة، احترامًا للحيوانات وللأشخاص الذين يزعجهم الضجيج. رئيس بلدية أثينا قالها بوضوح: “نريد أن نحتفل دون أن نؤذي أحدًا.” هناك، بدا العام الجديد وكأنه يطلّ من بين أعمدة التاريخ، بهدوءٍ يليق بمدينة علّمت العالم معنى الفلسفة والجمال.
لكن بينما كانت هذه المدن تكتب افتتاحياتها المضيئة، كان هناك عالم آخر يعيش في الظل. في غزة، لم يكن هناك عدّ تنازلي ولا ألعاب نارية، بل عدٌّ للأرواح التي سقطت، وللبيوت التي انهارت، وللأيام التي مضت بلا كهرباء ولا ماء. في السودان، كان العام الجديد يمرّ على آلاف النازحين الذين يبيتون في مخيمات مكتظة، حيث لا تُطلق الأمنيات بل تُطلق صرخات الأطفال الجائعين. وفي المنافي، كان المهجرون يستقبلون العام الجديد بذاكرة مثقلة، يتذكرون أوطانهم التي تركوها خلفهم، ويعدّون السنوات لا بالفرح بل بالبعد.
خلف هذه المشاهد يبقى السؤال الأعمق: هل يكفي أن نضيء السماء بالألعاب النارية لنبدد ظلام العام الماضي؟ هل يكفي أن نقرع الجرس لنضمن أن يكون العام الجديد أفضل؟
هكذا، عبرت البشرية من عام إلى عام، من 2025 إلى 2026، بين أصوات الجرس في سول، وضوء المباني في هونغ كونغ، وصخب الموسيقى في ريو، وهدوء الأكروبوليس في أثينا. كل مدينة كتبت افتتاحيتها الخاصة، وكل شعب أضاف سطرًا جديدًا إلى كتاب الزمن.
لكن خلف هذه المشاهد، يبقى السؤال الأعمق: هل يكفي أن نضيء السماء بالألعاب النارية لنبدد ظلام العام الماضي؟ هل يكفي أن نقرع الجرس أو نرفع شعارًا لنضمن أن يكون العام الجديد أفضل؟ ربما لا. لكن البشر، منذ فجر التاريخ، لم يجدوا وسيلة أخرى سوى الأمل. الأمل هو طقسهم الجماعي، هو اللغة التي يتحدثون بها حين يعجزون عن تغيير الواقع فورًا.
عام 2025 كان عامًا مثقلًا بالأزمات، من الحروب إلى الكوارث الطبيعية، من الانقسامات السياسية إلى الأوبئة التي لم تزل آثارها قائمة.
ومع ذلك، ها هو العالم يصرّ على أن يبدأ من جديد، أن يعلن بصوتٍ عالٍ: نحن هنا، ما زلنا قادرين على الفرح، ما زلنا نؤمن بأن الغد يمكن أن يكون أفضل.
في النهاية، ربما تكون ليلة رأس السنة مجرد رمز، مجرد لحظة عابرة في تقويم طويل. لكنها لحظة تكثّف كل شيء: الحزن والفرح، الخوف والرجاء، الماضي والمستقبل. إنها لحظة تقول لنا إن الزمن ليس مجرد أرقام، بل هو ذاكرة جماعية، وإننا حين نحتفل، لا نحتفل بالعام الجديد فقط، بل بقدرتنا على البقاء، على الاستمرار، على الحلم.




