رأي

أزمة الناتو: هل تزيد من لحمة الأوروبيين أم تفرقهم؟

علي قاسم – العرب:

الناتو يعمل اليوم كمرآة للتناقضات الأوروبية أكثر من كونه درعًا واقيًا.

لم يعد حلف شمال الأطلسي مجرد تحالف عسكري يضمن توازن الردع في وجه الخصوم، بل تحوّل إلى اختبار مفتوح لمستقبل أوروبا نفسها. فمع تآكل اليقين الذي حكم العلاقة عبر الأطلسي لعقود، لم تعد القارة العجوز تواجه سؤال الأمن فقط، بل سؤال الدور والهوية: هل تبقى تابعا إستراتيجيا لواشنطن، أم تتحول إلى قوة قادرة على حماية نفسها؟

لطالما لعب حلف شمال الأطلسي دورا مزدوجا: إبقاء الاتحاد السوفيتي – ثم روسيا لاحقا – في مأزق، وفي الوقت نفسه العمل كـ”طوق” يربط أوروبا المترددة بأولويات واشنطن الإستراتيجية. كانت تلك الوظيفة الثانية هي الأكثر حساسية دوما. ففي مقابل توفير واشنطن للمظلة الواقية، قبلت العواصم الأوروبية دورا مريحا لكنه تابع، نادرا ما شككت في الافتراض القائل بأن ما هو جيد للبنتاغون هو حتماً جيد للقارة العجوز.

اليوم، هذه الصفقة تتفكك. ليس بسبب انقطاع واحد، بل لأن الوزن التراكمي للأزمات المتلاحقة – من الحرب في أوكرانيا إلى شبح المواجهة في الخليج والهزات المستمرة للانسحاب الأميركي المحتمل – وضع ضغطا لا يطاق على العلاقة عبر الأطلسي. السؤال الذي يطارد بروكسل وبرلين وباريس ووارسو لم يعد ما إذا كان الحلف في مأزق، بل هو ما إذا كان هذا المأزق سيجبر الأوروبيين أخيراً على صياغة دفاع مشترك حقيقي، أم أنه سيكشف عن انقسامات عميقة إلى درجة تجعل فكرة وجود سياسة أمنية أوروبية موحدة مجرد نكتة قاسية.

إن طرح السؤال يعني الاعتراف بأن الناتو يعمل اليوم كمرآة للتناقضات الأوروبية أكثر من كونه درعا واقيا. انظر عن كثب إلى النقاشات المحتدمة داخل الحلف، وسترى منعكسة فيها التناقضات الجوهرية لأوروبا المعاصرة. على جانب واحد تقف الدول الشرقية، وخصوصا بولندا ودول البلطيق، التي لا يزال الناتو بالنسبة إليها ضرورة وجودية. بعد أن عاشت تحت الهيمنة السوفيتية في ذاكرة حية، وتواجه اليوم روسيا الانتقامية التي ابتلعت شبه جزيرة القرم وشرق أوكرانيا، تنظر هذه الدول إلى أي حديث عن “استقلال إستراتيجي أوروبي” برعب مكتوم. بالنسبة إليها، الاستقلال يعني التخلي. إنها تريد أميركا أكثر، وليس أقل؛ وتريد قوات أكثر على أراضيها، وليس أقل؛ وتريد أن تكون المادة الخامسة من معاهدة الناتو – التي تنص على أن الهجوم على دولة هو هجوم على الجميع – منقوشة في الصخر ومدعومة بضمانات نووية.

تهديدات دونالد ترامب الواضحة بالانسحاب من الناتو كانت مجرد تعبير فج عن شعور أصبح سائدا في واشنطن: على أوروبا أن تكبر، وتدفع ثمن وجودها

على الجانب الآخر تجلس القوى الغربية التقليدية، وتحديدا فرنسا وألمانيا، حيث ذاكرة الأحادية الأميركية في العراق وأفغانستان ولّدت شكوكا عميقة في النزعات العالمية لواشنطن. هذه الدول تتأرجح بين الرغبة في إبقاء الحلف سليماً وبين الاعتراف المتزايد بأن أوروبا لا يمكنها إلى الأبد الاستعانة بمصادر خارجية لأمنها لصالح قوة تتباعد مصالحها الإستراتيجية بشكل متزايد عن مصالحها.

هذا ليس مجرد خلاف فلسفي، بل له عواقب ملموسة ومؤلمة. عندما أعلن إيمانويل ماكرون أن الناتو في “موت دماغي” عام 2019، كان الغضب من وارسو وريغا حقيقيا وملموسا. في آذان الشرقيين، بدت تلك اللغة وكأنها مقدمة للخيانة. في آذان الفرنسيين، كانت جرس إنذار. والفجوة لم تتسع إلا منذ ذلك الحين. الحرب في أوكرانيا، بدلاً من أن تسد الهوة، كشفتها بشكل أكثر وضوحا. على السطح، حشدت أوروبا نفسها بشكل مثير للإعجاب، حيث أرسلت أسلحة واستضافت ملايين اللاجئين وتخلت عن الغاز الروسي بسرعة مذهلة. لكن تحت ذلك السطح، تبقى خطوط الصدع القديمة قائمة. تردد ألمانيا في تسليم الأسلحة الثقيلة، وموقف هنغاريا المتردد تجاه موسكو، وعدم الاستعداد المستدام للعديد من دول جنوب أوروبا لرفع الإنفاق الدفاعي إلى هدف الناتو البالغ اثنين في المئة، كل هذه الوقائع تروي قصة حلف يعمل بشكل أفضل عندما يكون التهديد مجردا، وأسوأ عندما يحين وقت دفع الفاتورة.

وهذا يقودنا إلى المصدر الأكثر إلحاحا للاحتكاك عبر الأطلسي: المطلب الأميركي بـ”تقاسم الأعباء”. ظلت واشنطن تشتكي من “التطفل” الأوروبي لعقود، لكن الشكاوى اكتسبت حداً أكثر حدة في ظل إدارات متعاقبة، بغض النظر عن الحزب. المنطق بسيط، ومن منظور أميركي، لا يقبل الجدل. الولايات المتحدة تنفق ما يقرب من ثلاثة ونصف في المئة من ناتجها المحلي على الدفاع، بينما يتراوح إنفاق معظم الأعضاء الأوروبيين بين واحد ونصف واثنين في المئة.

دافعو الضرائب الأميركيون، وبحق، يتساءلون لماذا عليهم الاستمرار في تمويل أمن قارة هي مجتمعة أكثر ثراءً من روسيا والصين مجتمعتين. تهديدات دونالد ترامب الواضحة بالانسحاب من الناتو كانت مجرد تعبير فج عن شعور أصبح سائداً في واشنطن: على أوروبا أن تكبر، وتدفع ثمن وجودها، وتتحمل مسؤولية جوارها بنفسها.

رد الفعل الأوروبي على هذا الضغط هو أمر بالغ الدلالة. من الناحية النظرية، يمكن أن يصبح “تقاسم الأعباء” قوة توحيدية هائلة. إذا وافق جميع الأعضاء الأوروبيين في الناتو على رفع الإنفاق الدفاعي إلى هدف مشترك، وتنسيق المشتريات، والقضاء على الازدواجية المهدرة التي تجعل الجيوش الأوروبية تدير العشرات من أنظمة الأسلحة المختلفة، فإن القارة ستصبح بالفعل شريكا عسكريا أكثر مصداقية.

إن الدفع الأخير نحو إنشاء صندوق الدفاع الأوروبي والتعاون الهيكلي الدائم في مجال الدفاع يشير إلى أن بعض التحرك في هذا الاتجاه يحدث بالفعل. لكن الواقع أكثر فوضوية. رفع الإنفاق الدفاعي هو أمر سام سياسياً في البلدان حيث يفضل الناخبون رؤية الأموال العامة تُنفق على الرعاية الصحية والمعاشات والتعليم.

التحول التاريخي الذي أعلنته ألمانيا بعد الغزو الروسي الشامل لم ينتج حتى الآن سوى زيادات متواضعة، مصحوبة بمناورات برلمانية لا تنتهي. دول جنوب أوروبا، التي لا تزال تتعافى من أزمة الديون وتكافح النمو المنخفض، تستاء من أن تملي عليها واشنطن بينما اقتصادها راكد.

فهل الضغط الأميركي يوحد أم يفرق؟ الجواب هو كلاهما، وهذا الغموض هو بالضبط ما يجعل اللحظة الراهنة خطيرة جداً على أوروبا. على المدى الطويل، يمكن للصدمة الخارجية المتمثلة في انسحاب أميركي محتمل – أو حتى تهديد جاد بذلك – أن تجبر الأوروبيين على تجاوز خلافاتهم.

يواجه الأوروبيون احتمال الاضطرار إلى الدفاع عن أنفسهم. وما إذا كان هذا الاحتمال سيرعبهم فيدفعهم إلى الوحدة، أم يشلهم فيقودهم إلى الانقسام، هو السؤال الكبير الذي لم يُجب عليه في هذا العصر

يقدم التاريخ سابقة: نهاية الحرب الباردة وحروب يوغوسلافيا في تسعينات القرن الماضي أدت في النهاية إلى إنشاء سياسة الأمن والدفاع المشتركة للاتحاد الأوروبي، مهما كانت ناقصة. لكن على المدى القصير، يميل الضغط إلى تفاقم التوترات القائمة. يخشى الأعضاء الشرقيون أن أي تحرك نحو الاستقلال الإستراتيجي الأوروبي سيأتي على حساب الضمان الجماعي للناتو. ويخشى الأعضاء الغربيون أن الطاعة العمياء لواشنطن ستجرهم إلى صراعات – في الخليج، أو بحر الصين الجنوبي، أو أي مكان آخر – لا علاقة لها بالأمن الأوروبي. ولم يقدم أي من الجانبين حتى الآن إجابة مقنعة على سؤال: كيف ستدافع أوروبا عن نفسها دون الولايات المتحدة؟

وهذا يقودنا إلى الفكرة الأكثر طموحاً وإثارة للجدل في الأمن الأوروبي اليوم: الاستقلال الإستراتيجي. هذه الفكرة، التي تتبناها فرنسا بقوة وترددها بدرجات متفاوتة ألمانيا ودول أخرى، تصور أوروبا قادرة على إظهار قوة عسكرية مستقلة، بذكائها ولوجستياتها وهياكل قيادتها الخاصة. هذا لا يعني بالضرورة ترك الناتو. بل يعني بناء ركيزة أوروبية داخل الحلف، بحيث يمكن للقارة أن تتحرك عندما تختار أميركا عدم التحرك، وحتى لا تتمكن واشنطن من احتجاز الأمن الأوروبي رهينة لمزاجها السياسي المتقلب. المنطق مقنع. لكن العقبات هائلة.

أولاً، الاستقلال الإستراتيجي يحتاج إلى أموال. الكثير من الأموال. عقود من نقص الاستثمار تركت الجيوش الأوروبية تعاني من فجوات محرجة في القدرات. إنها تفتقر إلى النقل الجوي الإستراتيجي، والطائرات بدون طيار للمراقبة، والدفاعات السيبرانية، والأهم من ذلك، القدرة على تنفيذ عمليات عالية الكثافة دون تمكين أميركي. سد هذه الفجوات يتطلب زيادات مستدامة في الإنفاق لم تظهر أي حكومة أوروبية حتى الآن الإرادة السياسية لتقديمها.

ثانيا، الاستقلال الإستراتيجي يتطلب اندماجا. صناعة الدفاع الأوروبية لا تزال عبارة عن فسيفساء من الأبطال الوطنيين، كل منهم يحرس سوقه المحلية بغيرة ويقاوم التوحيد عبر الحدود. والنتيجة هي قارة تدير أكثر من اثني عشر نوعا مختلفا من دبابات القتال وما يقرب من عشرين طائرة مقاتلة مختلفة، مع كل أوجه القصور التي يترتب على ذلك.

ثالثاً، والأكثر جوهرية، الاستقلال الإستراتيجي يتطلب الثقة. الثقة بأن ألمانيا لن تستخدم حق النقض ضد المهام التي تقترحها فرنسا. الثقة بأن جنوب أوروبا لن يعطي أولوية لهجرة البحر المتوسط على الدفاع الإقليمي عن أوروبا الشرقية. الثقة بأنه عندما تأتي الأزمة، فإن آلية صنع القرار المعقدة للاتحاد الأوروبي لن تتعطل.

وهذه الثقة شحيحة. أزمة الهجرة عام 2015 تركت ندوباً عميقة، حيث رفضت دول أوروبا الوسطى قبول اللاجئين وشعرت دول الجنوب بالتخلي عنها. أزمة اليورو في أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين وضعت الدائن ضد المدين، الشمال ضد الجنوب، في مواجهة مريرة كادت أن تحطم العملة الموحدة. والجائحة، رغم لحظات التضامن، شهدت أيضا إغلاق الدول الأعضاء حدودها وتخزين الإمدادات الطبية. لماذا يجب أن يكون الدفاع مختلفاً؟ إذا لم تستطع أوروبا أن تتحد حول الكمامات واللقاحات، فلماذا تتحد حول الدبابات والجنود؟

البعد الاقتصادي للأزمة الأمنية يضيف طبقة أخرى من التعقيد. الحرب في أوكرانيا، وإمكانية التصعيد في الخليج، أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وكشفت عن اعتماد أوروبا الخطير على الوقود الأحفوري المستورد. وهنا أيضاً، الآثار متفاوتة بعمق. النموذج الصناعي الألماني، المبني على الغاز الروسي الرخيص، في حالة اضطراب. فرنسا، بأسطولها النووي، معزولة نسبياً. جنوب أوروبا، المعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي المسال من الخليج، يواجه نقاط ضعف مختلفة.

هذه التفاوتات تترجم مباشرة إلى تفضيلات مختلفة للسياسة الخارجية. بلد يخاف شتاءً من إغلاق المصانع وارتفاع فواتير الكهرباء سيفكر بشكل مختلف جداً في مواجهة إيران أو روسيا مقارنة ببلد يمكنه إبقاء الأنوار مضاءة بغض النظر عن ذلك. الألم الاقتصادي، بدلاً من أن يوحد الأوروبيين، يميل إلى جعلهم منغلقين على أنفسهم، مما يغذي الحركات الشعبوية والقومية التي طالما كانت آفة التكامل الأوروبي.

عندما أعلن إيمانويل ماكرون أن الناتو في “موت دماغي” عام 2019، بدت تلك اللغة في آذان الشرقيين، وكأنها مقدمة للخيانة، وفي آذان الفرنسيين، كانت جرس إنذار
عندما أعلن إيمانويل ماكرون أن الناتو في “موت دماغي” عام 2019، بدت تلك اللغة في آذان الشرقيين، وكأنها مقدمة للخيانة، وفي آذان الفرنسيين، كانت جرس إنذار

هذا هو جوهر المسألة. الأزمات يمكن أن تكون لحظات تضامن، كما أظهرت الفترة المباشرة التي تلت الغزو الأوكراني لفترة وجيزة. لكنها يمكن أن تكون أيضاً لحظات تفكك، كما أظهرت فترة ما بعد أزمة اليورو الطويلة. أي مسار ستسلكه أوروبا يعتمد على القيادة، والمؤسسات، والإحساس المشترك بالهوية الذي كان دائماً هشاً.

أزمة الناتو ليست مجرد خلاف تقني حول الإنفاق العسكري أو هياكل القيادة. إنها اختبار لما إذا كانت أوروبا قادرة على تخيل نفسها كفاعل جيوسياسي بدلاً من كونها متلقياً سلبياً للحماية الأميركية. اجتياز هذا الاختبار يتطلب من الأوروبيين قبول أن الأمن ليس مجانياً، وأن السيادة يجب أن تُجمَع لتكون ذات معنى، وأن عصر الاستعانة بمصادر خارجية للقوة الصلبة لواشنطن قد انتهى. الفشل فيه يعني قبول مستقبل من الشراكة الدائمة الصغرى، حيث تُعرَّف المصالح الأوروبية في واشنطن، وحيث قد تُراق الدماء الأوروبية في حروب تختارها قوى أخرى.

لذا فإن الإجابة على السؤال: هل تزيد أزمة الناتو من لحمة الأوروبيين أم تفرقهم؟ لا تزال مفتوحة بشكل مؤلم. المواد الخام للوحدة موجودة: تهديد مشترك من روسيا، واعتماد مشترك على إمدادات الطاقة المستقرة، وقيم ديمقراطية مشتركة، وإدراك مشترك بأن العطلة التي أعقبت الحرب الباردة من التاريخ قد انتهت.

لكن العقبات أمام الوحدة حقيقية بنفس القدر: ذكريات تاريخية متباينة، ومصالح اقتصادية متباينة، وتصورات مختلفة للتهديد، وطبقة سياسية نادراً ما ارتقت فوق المشاحنات الوطنية. لعل التقييم الأكثر صدقاً هو أن أوروبا سوف “تدبر أمرها”، كما فعلت دائماً، فتجد قدراً كافياً من القواسم المشتركة لتجنب الكارثة، بينما تقصر عن تحقيق الرؤية الجريئة التي يتطلبها الاستقلال الإستراتيجي. “تدبير الأمور” هو فن أوروبي. لكنه ليس إستراتيجية. وفي عالم تعود فيه المنافسة بين القوى العظمى، ويتحول فيه اهتمام أميركا بشكل لا يرتد نحو آسيا، قد لا يكون “تدبير الأمور” كافياً بعد الآن.

ولأول مرة منذ ثلاثة أجيال، يواجه الأوروبيون احتمال الاضطرار إلى الدفاع عن أنفسهم. وما إذا كان هذا الاحتمال سيرعبهم فيدفعهم إلى الوحدة، أم يشلهم فيقودهم إلى الانقسام، هو السؤال الكبير الذي لم يُجب عليه في هذا العصر.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى