رأي

أزمة الخليج تختبر الهند و”بريكس”

محمد صابرين – الأهرام:

لم تعد أزمة الخليج مجرد مواجهة إقليمية تهدد أمن الطاقة والملاحة الدولية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة القوى الصاعدة على لعب دور سياسي يتناسب مع ثقلها الاقتصادي.

وفي مقدمة هذه القوى تأتي الهند، التي تستعد لتولي الرئاسة الدورية لمجموعة “بريكس” اعتبارًا من سبتمبر المقبل، في وقت تتزايد فيه التوقعات بأن يتحول التكتل من منصة للتعاون الاقتصادي إلى قوة أكثر تأثيرًا في إدارة الأزمات الدولية.

ومنذ اندلاع الأزمة في منطقة الخليج، تمسكت نيودلهي بما تصفه بـ”الحياد النشط”، وهو نهج يقوم على عدم الانحياز لأي طرف مع الحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة مع الجميع. 

ويعكس هذا الموقف عقيدة السياسة الخارجية الهندية القائمة على “الاستقلال الإستراتيجي”، والتي أتاحت للهند خلال السنوات الأخيرة بناء علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة وروسيا، ومع إسرائيل وإيران، ومع دول الخليج في الوقت نفسه.

ولا يعود هذا الحياد إلى اعتبارات دبلوماسية فقط، بل تفرضه شبكة معقدة من المصالح. فالهند تعتمد على الخليج في جانب كبير من احتياجاتها من النفط والغاز، كما تمر نسبة مهمة من تجارتها الخارجية عبر الممرات البحرية في المنطقة. وإلى جانب ذلك، يعمل ملايين الهنود في دول الخليج، وتشكل تحويلاتهم المالية أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد الهندي.

ولا تقتصر حسابات نيودلهي على الاقتصاد والطاقة، بل تمتد إلى الاعتبارات الداخلية. فالهند تضم أكثر من 200 مليون مسلم، لتكون واحدة من أكبر الدول في العالم من حيث عدد السكان المسلمين. كما تضم واحدة من أكبر التجمعات الشيعية في العالم خارج الشرق الأوسط، وهو ما يدفع صانع القرار الهندي إلى تجنب أي مواقف قد تؤدي إلى استقطاب طائفي داخلي أو تنعكس على التوازن الاجتماعي في بلد يقوم على التعددية الدينية والعرقية.

ومن ثم، فإن “الحياد النشط” ليس مجرد سياسة خارجية، بل هو أيضًا أداة للحفاظ على الاستقرار الداخلي، بالتوازي مع حماية المصالح الاقتصادية والإستراتيجية للهند.

ورغم أن الأزمة لم تتحول بعد إلى حرب إقليمية شاملة، فإن آثارها الاقتصادية بدأت بالفعل في الظهور. فقد ارتفعت أسعار النفط، وزادت تكاليف الشحن والتأمين البحري، وازدادت الضغوط على الأسواق المالية، وهو ما ينعكس مباشرة على الاقتصاد الهندي الذي يعد ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم.

لكن السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في اندلاع حرب إقليمية واسعة. ففي هذه الحالة قد تواجه الهند واحدة من أكبر الأزمات الاقتصادية منذ سنوات. وسوف يضيف ارتفاع أسعار الطاقة عشرات المليارات من الدولارات إلى فاتورة الواردات، وسيؤدي إلى ارتفاع التضخم، وتراجع النمو الاقتصادي، وزيادة الضغوط على المالية العامة.

ولن تتوقف الخسائر عند الطاقة، بل إن اقتصادات دول الخليج تمثل سوق العمل الخارجية الأكبر للهند، وأي ركود اقتصادي أو توقف للمشروعات الكبرى قد يهدد وظائف مئات الآلاف من العمال الهنود، بينما تشير بعض السيناريوهات الاقتصادية إلى احتمال خسارة ما يقرب من مليون وظيفة إذا طال أمد الحرب. 

كما ستتراجع التحويلات المالية التي تزيد على 80 مليار دولار سنويًا، وهو ما سيؤثر في الاستهلاك المحلي، ويزيد الضغوط على الاقتصاد الوطني.

كما ستجد الحكومة الهندية نفسها أمام تحديات إضافية إذا اضطرت إلى تنفيذ عمليات واسعة لإجلاء رعاياها من مناطق الصراع، أو استيعاب أعداد كبيرة من العائدين إلى سوق العمل المحلي، وهو ما سيضيف أعباء اقتصادية واجتماعية جديدة في وقت تسعى فيه نيودلهي إلى الحفاظ على زخم نموها الاقتصادي.

ومن جانبه، يشير الباحث مدثر قمر في معهد مانوهار باريكار للدراسات الدفاعية والتحليلات (MP-IDSA) إلى أن سياسة الهند تجاه الخليج انتقلت من مجرد إدارة علاقات ثنائية مع كل دولة على حدة إلى رؤية إقليمية أشمل، لأن أمن الخليج وأمن المحيط الهندي أصبحا مترابطين بصورة غير مسبوقة. ومن ثم، فإن أي اضطراب طويل في الخليج ستكون له تداعيات مباشرة على الأمن الاقتصادي والإستراتيجي للهند.

ومع ذلك، فإن الأزمة لا تحمل مخاطر فقط، بل تتيح للهند فرصة لإثبات أنها لم تعد مجرد قوة اقتصادية صاعدة، بل دولة قادرة على الإسهام في إدارة الأزمات الدولية. وفي الوقت نفسه ترتبط الهند بعلاقات جيدة بجميع أطراف الأزمة، وهو ما يمنحها مساحة للحركة لا تتوافر لكثير من القوى الكبرى التي ترتبط بتحالفات مباشرة مع أحد أطراف الصراع.

وهنا يبرز الدور المنتظر لمجموعة “بريكس”. فمع تولي الهند رئاسة المجموعة اعتبارًا من سبتمبر، ستكون أمام اختبار سياسي حقيقي. إذ إن التكتل الذي يضم اليوم دولًا مؤثرة في الشرق الأوسط، من بينها مصر والإمارات وإيران، يمتلك من الإمكانات الاقتصادية والسياسية ما يؤهله للقيام بدور داعم للحوار وخفض التوتر، إذا توفرت الإرادة السياسية لذلك.

ولعل التحدي الأكبر أمام نيودلهي يتمثل في تحويل شعار”الحياد النشط” من سياسة لحماية المصالح إلى أداة لبناء السلام. فالهند، التي تقدم نفسها بوصفها صوتًا للجنوب العالمي، مطالبة اليوم بأن تثبت أن القيادة لا تعني فقط النمو الاقتصادي أو التفوق التكنولوجي، بل تشمل أيضًا القدرة على تقريب وجهات النظر، وطرح مبادرات واقعية لاحتواء الأزمات.

إن نجاح الهند في استثمار رئاستها لـ”بريكس” لإطلاق مبادرات للحوار سيمنح التكتل دفعة سياسية غير مسبوقة، ويعزز مكانة نيودلهي كقوة عالمية مسئولة. أما إذا اكتفت المجموعة بإصدار بيانات تدعو إلى ضبط النفس، فستظل قوة اقتصادية كبيرة تبحث عن دور سياسي يوازي حجمها.

وفي عالم يشهد تحولات متسارعة، قد لا يكون السؤال المطروح هو ما إذا كانت الهند قادرة على حماية مصالحها من تداعيات أزمة الخليج، بل ما إذا كانت قادرة، وهي تقود “بريكس”، على تحويل سياسة الحياد إلى دبلوماسية فاعلة، تجعل من التكتل جزءًا من الحل، لا مجرد شاهد على واحدة من أخطر أزمات الشرق الأوسط في العقد الحالي.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى