أثينا 2026: لحظة الاختيار لماركو روبيو

وليد سنو – النهار:
أدرك ريغان أن الأمة قد تفقد حريتها قبل أن تفقد قوتها، لمجرد أنها توقّفت عن الإيمان بالمبادئ التي قامت عليها. ويذكّرنا روبيو اليوم بأن الحضارة قد تلقى المصير نفسه. لكن خطابه في أثينا يطرح سؤالاً أشمل وأعمق…
في 27 تشرين الأول/أكتوبر 1964، ألقى رونالد ريغان خطابه التاريخي «حان وقت الاختيار» (A Time for Choosing)، الذي شكّل منعطفاً حاسماً في مسيرته السياسية. وبعد اثنين وستين عاماً، في 7 تشرين الأول 2026، وقف ماركو روبيو أمام أكروبوليس أثينا، ليعيش ربما لحظة الاختيار الخاصة به.
دعا ريغان يومها أميركا إلى الدفاع عن حريتها في وجه أوهام الاستسلام والتراجع. أما روبيو، فيخاطب اليوم حضارة غربية يبدو أنها فقدت ثقتها بعظمتها وبما حققته عبر التاريخ. لكن رسالته تتجاوز حدود الغرب بكثير، فهي موجّهة إلى كل من يرفض أن يكون مستقبل شعبه رهينة الخوف والخضوع وتمجيد الموت.
حين يستحضر روبيو الأثينيين الذين أعادوا بناء البارثينون بعدما دمّره الفرس، فإنه يذكّرنا بأن عظمة الحضارات لا تكمن في حصانتها من الهزائم، بل في قدرتها على النهوض والإبداع وتجاوز حدود الممكن. وهو يحتفي بذلك الطموح الإغريقي إلى التفوّق والمعرفة والاكتشاف، الذي تحوّل، بحسب تعبيره البليغ، إلى روح الريادة الأميركية نحو آفاق جديدة. وفي المقابل، ينتقد غرباً بات يعتذر عن إنجازاته، ويشعر بالذنب حيال ازدهاره، ويتنازل عن سيادته، ويفضّل حماية الرداءة على تشجيع الامتياز. لقد كان بناة البارثينون يشيدون صروحهم نحو الأعلى. فهل بدأنا نحن نبني نحو الأسفل؟
لكن المقطع الأكثر وقعاً في الخطاب يتعلّق بالشرق الأوسط. يميّز روبيو بين أبطال التراث الإغريقي والغربي، المستعدين للتضحية بحياتهم دفاعاً عن مبادئهم، وملالي إيران المتطرّفين، الذين يدين ثقافة الموت لديهم وتمجيدهم للأطفال الانتحاريين.
والفارق هنا جوهري: قد يقبل الإنسان الموت دفاعاً عن الحياة، لكنه لا يجعل من الموت غايةً أو مثالاً أعلى. وتكتسب هذه الرسالة دلالة خاصة في السابع من تشرين الأول، بعد ثلاث سنوات على المجازر التي ارتكبتها حماس في إسرائيل. وهي تخاطب أيضاً الإيرانيين التوّاقين إلى الحرية، واللبنانيين الذين لا تزال سيادة دولتهم مقيّدة بسلاح “حزب الله”، وجميع شعوب المنطقة التي ترفض أن يُضحّى بأبنائها على مذبح أيديولوجيات الصراع الدائم. فالقضية ليست مواجهة بين الغرب والشرق، ولا بين الأديان، بل هي انقسام أخلاقي وسياسي يعبر مجتمعاتنا جميعاً: بين من يدافع عن الحياة، ومن يحوّل الموت إلى أداة للسلطة.
ويذكّرنا روبيو أيضاً بحقيقة استراتيجية كثيراً ما نتناساها: السلام لا يتحقّق بمجرد الرغبة في السلام، بل يحتاج إلى قوة قادرة على ردع من يفضّلون الحرب. غير أن هذه القوة لا تكتسب معناها الحقيقي إلا ضمن تحالفات تجمع دولاً ذات سيادة، تتشارك المصالح والمبادئ. ولماذا ينبغي لهذا التحالف أن يتوقّف عند حدود الغرب؟ تستطيع أوروبا والولايات المتحدة وإسرائيل والدول العربية الساعية إلى الاستقرار أن تبني منظومة مشتركة للأمن والازدهار، تتجاوز خصومات القرن الماضي. تحالف يحمي الشعوب، ويعزّز التبادل الاقتصادي، ويحوّل السلام إلى فرصة ملموسة للنمو والرخاء. فالردّ الحقيقي على أيديولوجيات الموت لا يكون عسكرياً فحسب، بل يكمن أيضاً في منح الأجيال المقبلة أسباباً أقوى للحياة والإبداع والأمل.
لقد أدرك ريغان أن الأمة قد تفقد حريتها قبل أن تفقد قوتها، لمجرد أنها توقّفت عن الإيمان بالمبادئ التي قامت عليها. ويذكّرنا روبيو اليوم بأن الحضارة قد تلقى المصير نفسه. لكن خطابه في أثينا يطرح سؤالاً أشمل وأعمق، لا يقتصر على واشنطن وبروكسل، بل يتوجّه أيضاً إلى بيروت وطهران والقدس وسائر العواصم العربية. فالخيار الحقيقي في عصرنا ليس بين الغرب وبقية العالم، بل بين من يريدون بناء حضارة تقوم على الحياة والحرية والتقدّم، ومن يجدون في الدمار والتضحية بالآخرين مبرّراً لوجودهم. في عام 1964، دعا ريغان أميركا إلى الاختيار. وفي عام 2026، يذكّرنا روبيو، من أثينا، بأن هذا الاختيار يخصّنا جميعاً.




