آندي بيرنهام إلى رئاسة الحكومة البريطانية… هل ينجح في تنفيذ وعوده؟

يتولى آندي بيرنهام رئاسة الحكومة البريطانية خلفاً لكير ستارمر، بعد انتخابه زعيماً لحزب العمال، في انتقال للسلطة يأتي بعد نحو عامين على فوز الحزب بأغلبية كبيرة في الانتخابات العامة، وفي وقت تواجه فيه بريطانيا تباطؤاً في النمو الاقتصادي، وارتفاعاً في تكاليف المعيشة، وضغوطاً متزايدة على الخدمات العامة.
ويقدم ستارمر استقالته رسمياً إلى الملك تشارلز الثالث، قبل أن يستقبل الملك بيرنهام، ويكلفه بتشكيل الحكومة الجديدة. ولا تقتضي الأعراف الدستورية البريطانية إجراء انتخابات عامة عند تغيير زعيم الحزب الحاكم، ما دام الحزب يحتفظ بأغلبيته في مجلس العموم.
وبعد تكليفه، يتوجه بيرنهام إلى مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت لإلقاء أول خطاب له بصفته رئيساً للحكومة، قبل أن يبدأ الإعلان عن تشكيل حكومته.
ويصبح بيرنهام سابع رئيس وزراء في بريطانيا خلال عقد، وثالث رئيس للحكومة يعينه الملك تشارلز منذ اعتلائه العرش عام 2022، وهو ما يعكس استمرار حالة التقلب السياسي التي تشهدها البلاد منذ سنوات.
ويأتي صعود بيرنهام بعد فترة مضطربة داخل حزب العمال. فبعد الفوز الكبير في انتخابات يوليو/تموز 2024، تراجعت شعبية حكومة ستارمر، قبل أن يتلقى الحزب ضربة في الانتخابات المحلية التي جرت في مايو/أيار 2026، مع تحقيق حزب “ريفورم يو كيه” نتائج قوية أثارت مخاوف نواب العمال بشأن الانتخابات العامة المقبلة.
وكان بيرنهام، الذي شغل منصب عمدة مانشستر الكبرى منذ عام 2017، قد عاد إلى مجلس العموم بعد فوزه في انتخابات فرعية بدائرة ميكرفيلد في 18 يونيو/حزيران. ومهدت عودته الطريق لخوض سباق زعامة الحزب، قبل أن يحصل على تأييد 379 نائباً ويتولى الزعامة دون منافسة.
وسبق لبيرنهام أن خاض سباق زعامة الحزب مرتين، عامي 2010 و2015، دون فوز. لكن سنواته في مانشستر، وما ارتبط بها من مبادرات وإصلاحات محلية، عززت صورته بوصفه سياسياً يدعو إلى منح المدن والأقاليم دوراً أكبر في صنع القرار.
ودرس بيرنهام الأدب الإنجليزي في جامعة كامبريدج، وعمل باحثاً ومستشاراً سياسياً قبل انتخابه نائباً في البرلمان عام 2001، ثم تولى عدداً من المناصب الوزارية، من بينها الثقافة والصحة في حكومة غوردون براون.
نقل السلطة إلى الأقاليم
يشكل نقل السلطة من الحكومة المركزية إلى الأقاليم محوراً رئيسياً في المشروع السياسي الذي يطرحه آندي بيرنهام، وهو توجه ارتبط باسمه خلال سنوات توليه منصب عمدة مانشستر الكبرى.
ويرى بيرنهام أن صنع القرار ظل متركزاً لفترة طويلة في لندن، على حساب قدرة المدن والأقاليم على تحديد أولوياتها الاقتصادية والخدمية، داعياً إلى ما وصفه بأنه “أكبر إعادة توازن للسلطة شهدتها البلاد”.
وتحدث عن منح السلطات المحلية صلاحيات أوسع في مجالات التنمية الاقتصادية والإسكان والنقل والتعليم والتدريب المهني، إلى جانب دور أكبر للقطاع العام في بعض الخدمات الأساسية.
كما طرح فكرة إنشاء مركز حكومي في مانشستر يحمل اسم “رقم 10 الشمالي”، ليشارك في إدارة بعض الملفات المرتبطة بالإسكان والتنمية الإقليمية وإصلاح المرافق العامة.
وقال إن نقل الصلاحيات لن يقتصر على مدن إنجلترا، بل سيشمل أيضاً اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، في إطار مشروع يصفه بـ”إعادة توصيل بريطانيا”.
وأثارت هذه الطروحات تساؤلات لدى بعض السياسيين ودوائر الأعمال في لندن بشأن تأثير نقل المؤسسات والموارد الحكومية إلى خارج العاصمة.
في المقابل، يرى مؤيدو اللامركزية أن منح المدن مزيداً من الصلاحيات والموارد قد يساعدها على الاستثمار بصورة أفضل في احتياجات سكانها، ويسهم في تقليص الفوارق الاقتصادية بين مناطق المملكة المتحدة.
النمو الاقتصادي
يرى بيرنهام أن تحسين مستويات المعيشة يتطلب إعادة بناء القاعدة الإنتاجية البريطانية، لا الاكتفاء بإجراءات مالية قصيرة الأجل.
ومن هذا المنطلق، تحدث عن دعم التصنيع المحلي في قطاعات استراتيجية، من بينها الصلب والطاقة والدفاع والزراعة والصناعات الغذائية، مع تشجيع الاستثمار في المناطق التي شهدت تراجعاً اقتصادياً خلال العقود الماضية.
كما أبدى رغبته في تقليل اعتماد بريطانيا على الموردين الأجانب، ولا سيما في الصناعات الدفاعية، بحيث يسهم الإنفاق العسكري في دعم الصناعة المحلية وخلق فرص عمل داخل البلاد.
لكن تنفيذ هذه الرؤية قد يواجه تحديات مالية كبيرة، في ظل التعهد بزيادة الإنفاق الدفاعي خلال السنوات المقبلة، مع الالتزام في الوقت نفسه بالقواعد المالية وعدم زيادة الاقتراض لتمويل الإنفاق اليومي.
ويضع بيرنهام أزمة غلاء المعيشة في صدارة أولويات حكومته، متعهداً بمنح البريطانيين “فسحة لالتقاط الأنفاس”. ومن المتوقع أن تكون الضرائب والإنفاق والطاقة والخدمات العامة من بين أول الملفات الاقتصادية التي ستواجهها حكومته، وسط تساؤلات بشأن آليات تمويل وعودها.
الإسكان والتعليم والضرائب
تعهد بيرنهام بإطلاق ما وصفه بأنه أكبر برنامج لبناء المساكن الاجتماعية منذ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، مع الاستفادة من الأراضي العامة غير المستغلة للمساعدة في خفض كلفة البناء.
كما يتبنى نهج “الإسكان أولاً”، المستوحى من التجربة الفنلندية، والذي يقوم على توفير مسكن دائم للمشردين باعتباره الخطوة الأولى لمعالجة ما يواجهونه من مشكلات صحية واجتماعية واقتصادية.
وفي مجال التعليم، يدعو إلى منح التعليم التقني والمهني المكانة نفسها التي يحظى بها التعليم الجامعي، مع توسيع برامج التدريب وتشجيع الشركات على توفير مزيد من الفرص للشباب.
ويأتي ذلك في وقت يتجاوز فيه عدد الشباب الذين لا يعملون ولا يدرسون ولا يتلقون تدريباً مهنياً مليون شخص، وهو ما يثير مخاوف بشأن تأثير ذلك في الإنتاجية وسوق العمل.
واقتصادياً، تعهد بيرنهام بالالتزام بالقواعد المالية لحزب العمال وعدم زيادة الضرائب على العاملين، لكنه أبدى دعمه لمراجعة بعض جوانب نظام الضرائب، بما في ذلك ضرائب الأعمال وفرض ضريبة على قيمة الأراضي، ضمن إصلاحات ضريبية أوسع.
الرعاية الاجتماعية والدفاع
تعد الرعاية الاجتماعية من أصعب الملفات التي تواجه الحكومة الجديدة، في ظل ارتفاع أعداد كبار السن ونقص العاملين في القطاع.
ووصف بيرنهام نظام الرعاية الاجتماعية بأنه يحتاج إلى إصلاح جذري، لكنه يواجه تحدياً يتمثل في توفير التمويل اللازم لإصلاح قطاع تعثرت حكومات متعاقبة في معالجته بسبب كلفته المالية وحساسيته السياسية.
وفي ملف الدفاع، يتبنى بيرنهام نهجاً يربط بين الأمن والسياسة الصناعية، إذ يرى أن زيادة الإنفاق العسكري ينبغي أن تسهم أيضاً في دعم الصناعات البريطانية وخلق فرص عمل، إلى جانب تعزيز القدرات الدفاعية وتقليل الاعتماد على الموردين الأجانب.
أما في السياسة الخارجية، فلم يطرح تحولاً جذرياً في توجهات بريطانيا، مؤكداً استمرار دعم أوكرانيا في مواجهة الغزو الروسي، وتعزيز التعاون مع الدول الأوروبية، ولا سيما في مجالي الدفاع والأمن. كما دعا إلى زيادة الضغوط على إسرائيل في عدد من الملفات المرتبطة بالحرب في غزة.
اختبار التنفيذ
يتولى بيرنهام رئاسة الحكومة في وقت تواجه فيه بريطانيا تباطؤاً اقتصادياً وارتفاعاً في تكاليف المعيشة وضغوطاً متزايدة على الخدمات العامة، ما يعني أن فترة السماح أمام حكومته قد تكون قصيرة.
وسيكون عليه إيجاد مصادر تمويل لوعوده في مجالات الإسكان والرعاية الاجتماعية والدفاع، مع التمسك في الوقت نفسه بالقواعد المالية التي تعهد بها حزب العمال وعدم زيادة الضرائب على العاملين.
كما سيواجه مهمة إقناع الناخبين بأن حكومته تمثل تغييراً في النهج لا مجرد تغيير في القيادة، بعد عامين فقط من وصول حزب العمال إلى السلطة.
وشككت المعارضة المحافظة في قدرة بيرنهام على تنفيذ برنامجه، معتبرة أنه لم يقدم بعد خطة اقتصادية واضحة لتمويل تعهداته. وفي المقابل، يرى مؤيدوه أن تجربته في مانشستر، ولا سيما في تطوير النقل العام والدفاع عن مصالح شمال إنجلترا خلال وباء كوفيد-19، تمنحه خبرة تنفيذية تميزه عن كثير من أسلافه.
ويبقى نجاح بيرنهام مرهوناً بقدرته على تحويل وعوده بشأن نقل السلطة إلى الأقاليم، وإعادة بناء القاعدة الصناعية، وتحسين الخدمات العامة إلى نتائج ملموسة. وقد تشكل الأشهر الأولى من ولايته مؤشراً على ما إذا كان قادراً على إحداث تحول مؤثر في السياسة البريطانية، أم أن حكومته ستواجه القيود نفسها التي واجهت حكومات سابقة.
المصدر: بي بي سي نيوز عربي




