رأي

هل الوقت مناسب لإعلان الصين “النصر المطلق” على تايوان؟

جيرار ديب – العربي الجديد:

في 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الكنيست ليلقي خطاباً بمناسبة أدائه اليمين الدستورية لحكومة الطوارئ، التي تشكّلت عقب اندلاع الحرب على غزّة، وختَمه بالتعهّد بأن تحقّق إسرائيل “النصر المطلق” في حربها. ومرّ نحو ثلاث سنوات على الوعد الذي قطعه نتنياهو لتحقيق هذا “النصر المطلق”، من دون القدرة على أن يحسم حربه في أيٍّ من الجبهات الثماني التي تحدّث عنها. على الرغم من أنّ هذا المصطلح أصبح الأكثر حضوراً في خطاباته وتصاريحه، إلّا أن الواقع الميداني يؤكّد عدم قدرة جيشه، على الرغم من تفوّقه، على الحسم أو أخذ أيّ طرف إلى طاولة الاستسلام، مع استمرار آلة الحرب والقتل والدمار.

أثار تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست جدلاً واسعاً حول نفاد الذخائر الأميركية، وأشار إلى استنزاف حادٍّ في مخزونات الصواريخ الأميركية

ليست إسرائيل الوحيدة التي تخوض حرباً لا تستطيع أن تحقّق فيها النصر المطلق، إذ لم تستطع الولايات المتحدة، الداعمة الرئيسة لإسرائيل، أن تحقّق ذلك ضدّ إيران. لقد شنّ الجيش الأميركي أعنف الهجمات على مختلف المواقع الإيرانية، واستخدم أسراباً من أحدث مقاتلاته، ومدمّراته الاستراتيجية، وألقى أطناناً من المتفجّرات من دون أن يستطيع من خلال هذه الضربات المكثّفة فرض الاستسلام، بينما نسمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب يأمل في التوصّل إلى اتّفاق دبلوماسي.
لم يغيّر نظام العولمة المفاهيم فقط، ولم يقتصر على كسر الحدود بين الدول ليجعل من العالم قريةً كونيةً صغيرةً، لكنّه عمل على إسقاط مفهومَي “الربح” و”الخسارة” في الحروب التقليدية التي تمثّلت في الحربَين العالميتَين الأولى والثانية. كما تغيّر مفهوم تصنيف القوّة العسكرية والقدرة على الحسم السريع. فالحرب الروسية الأوكرانية دخلت هي أيضاً عامها الخامس من دون أن ينجح أيّ طرف في فرض إرادته على الآخر، بعدما تشظّت فيها ساحات القتال، وأصبح مفهوم “العملية العسكرية الخاصّة”، الذي أطلقه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، “مبهبطاً”، أي لا يتناسب مع حجم الخسائر التي يتعرّض لها جيشه في العتاد والعديد.
ارتبط مفهوم النصر عبر التاريخ بإجبار الخصم على قبول شروط المنتصر، من دون أن يستلزم ذلك القضاء نهائياً عليه. لكنّ حروب القرن الواحد والعشرين أصبحت أقرب إلى صراعات الاستنزاف التي تتراكم فيها المكاسب والخسائر، من دون أن ينجح أيّ طرف في القضاء على إرادة الخصم. فأمام هذا الواقع ومع التوتّر المستمرّ في بحر الصين الجنوبي، يبقى السؤال: هل ستُقدم الصين على ضمّ تايوان؟
في الوقت الذي تشتعل في العالم أكثرُ من جبهة قتالية، بات الهجوم الصيني على جزيرة تايوان أقرب إلى التنفيذ، على اعتبار أنّها الفرصة السانحة لبكين لتحقيق فرضية “الصين الموحَّدة”، بعدما ألهت الحرب في شرقي أوروبا والشرق الأوسط أميركا والدول الأوروبية عن الاهتمام بقضية تايوان.
أشارت مجلة فورين أفيرز، في مقال طويل، إلى أنّ الفكرة القائلة إنّ استيلاء الصين عسكرياً على تايوان أصبح وشيكاً أو حتمياً تُعدُّ قراءةً مبسّطةً ومضلِّلةً للسياسة الصينية. أسباب كثيرة تدفع بالرئيس الصيني شي جين بينغ إلى اتّخاذ قرار الحرب، في مقدّمها إدراكه أنّ الغرب المعادي للصين يعمد إلى نقل مشهدية الحرب الأوكرانية إلى شرق آسيا، من خلال جعلها جزيرةً عائمةً فوق مستنقع من الأسلحة.
لن تتنازل الصين عن فكرة ضمّ الجزيرة، ولكن في الوقت نفسه، تتفادى القيادة الصينية الوقوع في “فخّ الغرب”، لجعل تايوان ساحة استنزاف لها. تقرأ بكين بكثير من الاهتمام الأحداث الجارية في الشرق الأوسط، وكيف تعمل واشنطن لتحويل الصراع إلى صراع إيراني–عربي بعدما أبعدت عمداً اللاعب الإسرائيلي من المشاركة في تنفيذ الضربات. توتّرات المنطقة، من الضربات الحوثية التي استهدفت مجمّعات عسكرية يمنية في اليمن (الخميس الماضي)، ومقتل العشرات، بالتزامن مع التفجير في سورية، الذي استهدف حافلة ركّاب في مدينة جرمانا بريف دمشق وأدّى إلى قتل وجرح أشخاص، وغيرهما من تطوّرات، تدّل على هشاشة الواقع الأمني، وعلى أنّ تفجير المنطقة بات أقرب من أيّ وقت مضى.

هل سيكون قرار الصين باجتياح قواتها تايوان اليوم أم ستصبح الصين دولةً عظمى جديدةً تقع في مستنقع الاستنزاف؟

أثار تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست جدلاً واسعاً حول نفاد الذخائر الأميركية، وأشار التقرير إلى استنزاف حادٍّ في مخزونات الصواريخ الاعتراضية وبعيدة المدى مثل “ثاد” و”باتريوت”، بنسبة بلغت 80% بسبب العمليات ضدّ إيران. مثل هذه التقارير، وعلى الرغم من نفي الإدارة الأميركية لها، إلّا أنّه يمكن للصين البناء عليها، على اعتبار أنّ الاستنزاف في المخزون الأميركي وارد، لا سيّما أنّ شركات تصنيع الأسلحة العسكرية، وفي مقدّمتها شركتا لوكهيد مارتن وبوينغ، وغيرهما، أكّدت أنّ إعادة ترميم المخزون قد تتطلّب وقتاً.
هذا الوقت قد يكون العامل الحاسم للحزب الحاكم في الصين لاتخاذ قرارٍ حان أوانه، مستفيداً من الوقت الذي سيسمح لواشنطن بنقل الصراع في المنطقة، ومن “التلبّك” الأوروبي بشأن أوكرانيا مع تصاعد الضربات الروسية التي تطاول كييف، ومساندة كوريا الشمالية لروسيا علناً. فهل سيكون قرار الصين باجتياح قواتها تايوان اليوم، أم ستصبح الصين دولةً عظمى جديدةً تقع في مستنقع الاستنزاف؟

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى