رأي

هجمات المستوطنين وتحويل المياه تمحوان مجتمعاً فلسطينياً

مجد جواد – موقع “ميدل إيست آي”:

لقد جفّ النبع الذي كان يوماً ما يدعم الحياة هنا، بينما تهرب العائلات الفلسطينية من العنف الإسرائيلي وسرقة الموارد.

كان هيثم رشيد من بين آخر من غادروا منازلهم قرب نبع وشلال عين العوجا الطبيعيين شمال أريحا في الضفة الغربية المحتلة. ولقد حزمت عائلته خيامها، ورصّت جميع أمتعتها فوق جرّار زراعي، ثمّ بدأت رحلة استغرقت ساعتين عبر تضاريس صعبة باتجاه البلقاء، وهي منطقة قليلة السكان في غور الأردن، حيث أقاموا مخيماً إلى جانب نازحين آخرين.

يقول رشيد بحزن إنّ مغادرة عين العوجا أفقدتهم جزءاً منهم، حيث كانت المياه تتدفّق بغزارة بآلاف الأمتار المكعّبة يومياً، لكنّ الأرض اليوم قاحلة، والنبع الذي كان يدعم ذات يوم مجتمعاً بدوياً يضمّ أكثر من 100 عائلة لم يبقَ منهم سوى القلّة. 

كان الفلسطينيون يعتزّون بعين العوجا بوصفها واحة هدوء في منطقة محاصرة. لكنّ تحويل “إسرائيل” لمجرى المياه وهجمات المستوطنين، جعلا الحياة في هذا المجتمع غير قابلة للاستمرار في نهاية المطاف. يقول رشيد، “لم نغادر المرة الأولى التي حاولوا فيها طردنا، وأعدنا بناء ما خرّبوه، وحاولنا مواصلة حياتنا. وفي كلّ مرة نعود فيها، يعود الضغط أقوى مع المزيد والهجمات، وتقليل فرص الحصول على المياه”.

في شهر كانون الثاني/يناير الماضي، وبعد أن بلغوا حدّاً لا يطاق، اضطرت عائلة رشيد إلى النزوح إلى البلقاء، وهي مخيم بدوي صغير يفتقر إلى الخدمات العامّة حيث يحتاج الوصول إلى أقرب مركز مدينة من هنا أكثر من ساعتين، ويعترف رشيد بحزن واضح بأنّ أطفاله لم يعودوا قادرين على الذهاب إلى المدرسة. يقول، “لم يكن حادثاً واحداً هو ما أجبرنا على الرحيل، بل تكرار الاعتداءات مراراً، حتى أصبح البقاء مستحيلاً”.

منذ أوائل عام 2024، أُنشئ العديد من البؤر الاستيطانية الإسرائيلية غير الشرعية الجديدة في المنطقة، ونتيجة لذلك تصاعدت الهجمات، مع توثيق 38 حالة على الأقل في العام الماضي. كما أشارت منظّمة “أوتشا” في تقرير صدر في كانون الثاني/يناير الماضي إلى أنّ “الوصول إلى المياه قد تعرّض للخطر بشكل خاصّ، حيث قام المستوطنون الذين يعتقد أنهم من هذه البؤر الاستيطانية بقطع أو إتلاف أنابيب المياه المتصلة بنبع عين العوجا على نحو متكرّر، وأغلقوا الطرق المستخدمة لتعبئة المياه وتوصيلها، وأفرغوا خزّانات المياه المنزلية، وقاموا بترهيب السكان والرعاة الذين يحاولون جمع المياه والاعتداء عليهم، مما أدّى إلى تقويض سبل العيش بشكل خطير، وقد تمّ تهجير 26 عائلة تضمّ 124 شخصاً قسراً وسط أعمال عنف مستمرة من قبل المستوطنين المسلحين والقوات الإسرائيلية.

انخفاض المياه المستمر

يعكس التراجع الحادّ والمستمر لنبع عين العوجة في السنوات الأخيرة اختفاء المجتمع الفلسطيني المحيط به. فقد انخفض تدفّق مياهه، الذي كان يقدّر بأكثر من 1000 متر مكعب في الساعة، وربما ضعف ذلك حتى في مواسم الأمطار بنسبة تتراوح بين 50 و70 بالمئة في السنوات الأخيرة، وهو يجفّ تماماً في بعض الأحيان بحسب ما يقوله الباحث البيئي أيمن أبو زاهر الذي يراقب نظام المياه المحلي.

يقول أبو زاهر إنّ عين العوجا باعتبارها إحدى أهمّ الينابيع التاريخية في المنطقة، تتعرّض لضغوط متزايدة نتيجة لتغيّر المناخ وحفر الآبار المجاورة. وفي السنوات الجافة، أدّى انخفاض معدل تغذية المياه الجوفية، إضافة إلى الضخّ المكثّف، إلى الحدّ من تدفّق المياه. وقال أبو زاهر إنّ 3 آبار يديرها الاحتلال في منطقة عين العوجة كانت بعمق من 500 إلى 600 متر تحت الأرض، ولكن على مدى 3 عقود الماضية، قامت السلطات الإسرائيلية بتعميقها إلى ما يقرب من 1000 متر، وأضافت بئراً رابعة.

ويقدّر أنّ هذه الآبار مجتمعة تستخرج ما بين 4 و6 ملايين متر مكعب من المياه سنوياً من الخزّان الجوفي العميق الذي يغذّي عين العوجة. ثمّ تحوّل هذه المياه إلى المستوطنات الإسرائيلية، بدلاً من تزويد المجتمعات الفلسطينية المجاورة ببعضها. ويتفاقم هذا الخلل بسبب محدودية مصادر المياه التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية في المنطقة نفسها. ويقدّر أبو زاهر أنّ هناك نحو 12 بئراً فلسطينية في المنطقة، لكنها “ضحلة وغير كافية”.. 

ومن بين أكثر المتضرّرين النساء اللواتي غالباً ما يحتملن مسؤولية تأمين المياه لأسرهـنّ عندما كنّ يعشْنَ إلى جوار عين العوجة، والآن، اضطررن إلى السير كيلومترات عديدة تحت أشعة الشمس الحارقة بحثاً عن صهاريج المياه أو نقاط التوزيع، وغالباً ما يعدن بعبوات فارغة عندما لا تتوفّر الإمدادات، أو عندما تمنعهنّ القوات الإسرائيلية من الوصول. فلقد أصبح تقنين المياه جزءاً من واقعهنّ اليومي.

نايفة زايد إحدى النازحات تقول، لقد “اضطررنا لشراء كميات كبيرة من المياه، بسبب النقص الذي شهدناه في فصل الربيع”، هكذا صرّحت نايفة زايد، التي نزحت إلى البلقاء مطلع هذا العام، “بينما في العام الماضي، منعنا الجيش الإسرائيلي حتى من شرائها، كما منعت صهاريج المياه من الوصول إلينا”. تضيف، “كان الماء متوفراً لدينا بكثرة. أما اليوم، فقد أصبح الحصول على كلّ لتر أمراً صعباً، وأحياناً ننتظر صهاريج المياه التي لا تصل أبداً، ونضطر إلى توفير الماء للشرب قبل أيّ شيء آخر.

قطع المواصلات

تمتد الآثار المدمّرة لأزمة المياه إلى الحياة المحلية والمجتمعات الرعوية في جميع أنحاء وادي الأردن، حيث أبلغ الفلسطينيون عن خسائر واسعة النطاق في الماشية وسط هجمات متكرّرة من قبل المستوطنين وعمليات السرقة والمصادرة. كما أدّت القيود المفروضة على الحركة وفقدان المراعي إلى تفاقم محنتهم. وفي إحدى أكبر الحوادث الأخيرة، أفاد سكان منطقة عين العوجا بأنّ مستوطنين إسرائيليين سرقوا نحو 1500 رأس من الأغنام والماعز خلال مداهمة للقرية مطلع العام الماضي، ما وجّه ضربة قاسية لعائلات الرعاة المحليين.

كما، أدّى تدمير سبل عيشهم التقليدية إلى إجبار العديد من البدو على البحث عن عمل في المستوطنات الإسرائيلية المجاورة، أو قبول أعمال موسمية منخفضة الأجر لدى الإسرائيليين. فلقد أصبحت الأرض التي كانت مصدر رزقهم في السابق متاحة الآن فقط كموقع للعمل، من دون أيّ حماية وظيفية أو حقوق عمالية. وفي حالة رشيد قبل نزوح عائلته، كان مصدر رزقه الرئيسي الزراعة وتربية المواشي. أما اليوم، فهو يعمل كعامل في مزرعة نخيل بالقرب من البلقاء.

كما ساهم تفتت هذا المجتمع، مثله مثل العديد من المجتمعات الأخرى في جميع أنحاء الضفة الغربية المحتلة، في إضعاف شبكات الدعم الاجتماعي. يقول أحد النازحين المقيمين في البلقاء لم يرد الكشف عن هويته خوفاً من ردود الفعل الإسرائيلية، “أصبح كلّ شيء بعيد المنال. حتى الوصول إلى الخدمات الأساسية يستغرق ساعات الآن، ولقد انقطعنا عن الأماكن التي كنا نعتمد عليها”.

كذلك، سلّط أحد الآباء النازحين من منطقة البلقاء، والذي طلب أيضاً عدم الكشف عن هويته، الضوء على الآثار المترتّبة على التعليم يقول، “كان أطفالي يذهبون إلى المدرسة سيراً على الأقدام بسهولة، والآن يستيقظون مبكراً جداً، ومع ذلك لا يزالون أحياناً غير قادرين على الوصول، لأنّ الطريق طويل وغير آمن، وفي بعض الأيام، يفضّلون البقاء في المنزل”.

السياح تحت الحصار

في عين العوجا، لطالما جعل الشلال المتدفّق ومسارات الجبال المحيطة به وجهة سياحية طبيعية للزوّار من داخل فلسطين وخارجها، والآن لا يقتصر الخوف من عنف المستوطنين على السكان المحليين فحسب، بل يستهدف السياح أيضاً. ففي العام 2023، واجهت مجموعة دولية من المتنزّهين من ضمنهم سيّاح أميركيون وإيطاليون وفرنسيون مجموعة من المستوطنين المسلحين، الذين هاجموهم بالهراوات ورذاذ الفلفل. يقول شاهد عيان تحفّظ أيضاً عن ذكر اسمه، “لقد تعرّضنا للضرب. وأصيبت امرأتان، إحداهما إيطالية والأخرى فلسطينية، بينما حاول باقي أفراد المجموعة الوصول إلى مكان أكثر أماناً، بينما استغرقت القوات الإسرائيلية ساعات للوصول لتأمين خروج المجموعة.

معركة قضائية

لقد أصبحت المعركة القضائية الأمل الأخير للعائلات التي أجبرت على الفرار والنزوح من منطقة عين العوجا. وفي محاولة أخيرة لوقف تهجيرهم، قدّم السكان العام الماضي التماساً إلى المحكمة العليا، مطالبين السلطات الإسرائيلية بتفكيك البؤر الاستيطانية غير القانونية التي تتعدّى على أراضيهم وتسهيل عودتهم إلى ديارهم. يقول المشرف العام على منظمة البيدر المحلية التي تدافع عن حقوق البدو حسن مليحات، “لقد دعونا إلى تدخّل قضائي لوقف الاختفاء الفعلي لمجتمعاتنا تحت وطأة عنف المستوطنين وتوسّع المراكز الاستيطانية المحيطة.

وفي المرافعات أمام المحكمة، أنكرت الدولة وجود أيّ أوامر إخلاء رسمية، بحجّة عدم وجود سياسة حكومية لمنع السكان من العودة، على الرغم من الحقائق على أرض الواقع، والتي يخشى العديد من الفلسطينيين أنها جعلت طردهم أمراً لا رجعة فيه. وفي شهر شباط/فبراير الماضي، أمرت المحكمة السلطات الإسرائيلية بمساعدة العائلات على العودة إلى منازلهم حول عين العوجا، وتقديم تقرير في غضون 60 يوماً عن الإجراءات التي تتخذها لضمان أمنهم.

وبحلول شهر نيسان/أبريل الماضي، ومع عدم الالتزام بالموعد النهائي، طالب مقدّمو الالتماس المحكمة العليا بإلزام الدولة بتنفيذ التزاماتها. ولا تزال “الدولة” تعترض على هذه المتطلّبات، وادّعت أمام المحكمة بأنه لا يوجد أساس قانوني لنشر قوة أمنية دائمة في المنطقة. وهذه الحالة ليست فريدة من نوعها بأيّ حال من الأحوال. فالالتماسات الفلسطينية التي تطالب بمنع عمليات الإخلاء أو تفكيك البؤر الاستيطانية تُرفض وتُعرقل في المحاكم الإسرائيلية كأمر روتيني، حيث تمنح الدولة سلطة تقديرية واسعة في إدارة الأراضي، حتى عندما يثبت أنّ السكان المقيمين منذ عقود قد عاشوا هناك.

يدعو هيثم رشيد إلى أهمية التضامن الإقليمي والعالمي في مواجهة التهديد الاستيطاني المتزايد والمستمر ويقول، “لا أحد يترك أرضه طواعيّة، فهذا من أصعب الأمور في الحياة. لكنّ الوقوف وحدنا لا يكفي. لقد دافعنا عن أرضنا وحدنا، وخسرناها، وخسرنا مواشينا ومياهنا. إذا لم نتحد، فسنخسر جميعاً. بينما يقول حسن مليحات إنّ “اللجوء إلى المحاكم لم يكن خياراً استراتيجياً، بل كان محاولة أخيرة لتأكيد حقوق الفلسطينيين في مواجهة واقع سريع التغيّر خارج قاعة المحكمة، حيث أُخلي المكان بالفعل”.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى