خاصأبرزرأي

مفاوضات جنيف: لا اتفاق ناجز… ولا انسداد كامل

حسين زلغوط, خاص ـ “رأي سياسي”:

تتقدّم المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران بخطوات محسوبة، في مشهد يعكس حذراً متبادلاً ورغبةً ضمنيةً في تجنّب الانفجار. فبينما وصفت واشنطن سير المباحثات التي جرت في جنيف، الثلاثاء، بأنه كان جيداً في “بعض النواحي”، أعلنت طهران التوصل إلى تفاهم حول “المبادئ الرئيسية”. وبين التعبيرين مساحة سياسية واسعة تختزن الكثير من التعقيد، لكنها تفتح أيضاً نافذةً لاحتمال كسر الجمود الذي طبع العلاقة بين الطرفين في السنوات الأخيرة.

اللغة الدبلوماسية المستخدمة من الجانبين ليست تفصيلاً شكلياً، بل مؤشرٌ إلى طبيعة المرحلة. فواشنطن تتحدث عن تقدم جزئي، ما يعني أن ملفات أساسية ما زالت عالقة، سواء لجهة مستويات تخصيب اليورانيوم، آليات الرقابة، أو توقيت رفع العقوبات. وفي المقابل، تركّز طهران على “المبادئ”، أي الإطار العام الذي يحكم أي اتفاق محتمل، كحقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وضمانات عدم الانسحاب الأميركي من أي اتفاق مستقبلاً، ورفع العقوبات بشكل فعّال لا شكلي.

هذا التباين في توصيف النتائج يعكس استراتيجية تفاوضية مزدوجة: تهدئة الأجواء من جهة، ومنع الإفراط في التفاؤل من جهة أخرى. فالطرفان يدركان أن أي اندفاعة إعلامية غير محسوبة قد ترفع سقف التوقعات، ثم تتحول إلى عبء سياسي داخلي إذا تعثرت المسارات التقنية.

الولايات المتحدة تسعى إلى اتفاق يجمّد التقدم النووي الإيراني عند مستويات يمكن التحكم بها، ويمنع الاقتراب من “العتبة الحرجة”. كما تريد توسيع النقاش ليشمل ملفات إقليمية ترتبط بنفوذ إيران في الشرق الأوسط، ولو بشكل غير مباشر. أما إيران، فتعتبر أن الأولوية المطلقة هي للاعتراف بحقوقها النووية ورفع العقوبات الاقتصادية التي أنهكت اقتصادها وأثرت في الوضع الاجتماعي الداخلي.

كما أن التوترات في أكثر من ساحة، من الخليج إلى شرق المتوسط، تجعل من أي تفاهم أميركي–إيراني عاملاً مؤثراً في توازنات المنطقة. كذلك، فإن حسابات الحلفاء والخصوم تلقي بظلالها على المفاوضات، إذ تراقب أطراف عدة أي إشارات قد تعيد رسم خطوط النفوذ أو تعيد إحياء مسار الاتفاق النووي بصيغة معدّلة.

على مستوى الداخل، يواجه الطرفان معادلات حساسة، فالإدارة الأميركية مطالبة بإظهار أنها لا تقدم تنازلات مجانية، خصوصاً في ظل تجاذبات سياسية حادة. وفي إيران، تبدو القيادة حريصة على تثبيت صورة “الندية” وعدم الظهور بموقع المتراجع تحت ضغط العقوبات. من هنا، تأتي أهمية صياغة التفاهمات على قاعدة “الخطوات المتبادلة”، بحيث يقابل كل إجراء نووي إيراني تخفيفٌ ملموسٌ في العقوبات.

لكن التحدي الأكبر يكمن في التفاصيل التقنية والقانونية. فالتجارب السابقة أظهرت أن الاتفاق على العناوين العريضة لا يعني بالضرورة سهولةً في ترجمتها عملياً. آليات التفتيش، نسب التخصيب، مخزون المواد النووية، وطبيعة الضمانات، كلها ملفات تتطلب صيغاً دقيقةً توازن بين متطلبات السيادة والهواجس الأمنية.

ومع ذلك، فإن مجرد إعلان الطرفين عن تقدم، ولو بصيغ مختلفة، يشير إلى إدراك مشترك بأن البديل عن التفاهم هو مزيد من التصعيد. فاستمرار العقوبات وتوسيع البرنامج النووي يرفعان منسوب المخاطر، ويزيدان احتمالات الاحتكاك المباشر أو غير المباشر.

فالمشهد الراهن، إذاً، ليس اتفاقاً ناجزاً، لكنه ليس انسداداً كاملاً أيضاً. إنه مرحلة اختبار للإرادة السياسية، وقدرة الطرفين على تحويل التقدم الجزئي و”تفاهم المبادئ” إلى أرضية صلبة لاتفاق عملي. وبين التفاؤل الحذر والشك المتبادل، تبقى الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه الجولة ستؤسس لمرحلة تهدئة طويلة، أم أنها ستُضاف إلى سجل المحاولات غير المكتملة في العلاقة الشائكة بين واشنطن وطهران.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى