
أحمد محمد أبو زيد – الأخبار:
لعل السؤال الرئيسي الذي يشغل بال الجميع تقريباً (أكاديميين وصحافيين وديبلوماسيين ومهتمين بالشأن العام) هو محاولة لفهم الدور المصري في سياق نظام دولي وإقليمي مضطرب.
تركّز المناقشات الدائرة رحاها الآن على نقد تصوّر الدور المصري في الأزمات والصراعات الإقليمية، باعتبار أن توجهات السياسة الخارجية للرئيس السيسي تقوم على ما يتم وصفه بـ”التهميش الذاتي” أو الانكفاء، والذي يُقدَّم رسميًا باعتباره “اتزانًا”.
تربط هذه المناقشات هذا التوجه في السياسة الخارجية بعوامل هيكلية ممتدة، أبرزها التدهور الاقتصادي منذ عهد حسني مبارك، وتزايد الارتهان للولايات المتحدة، بما أدى إلى تقليص هامش الفاعلية الخارجية، وتآكل الثقة في العمل العربي المشترك، والقبول الضمني بوقائع إقليمية مثل تمدّد إسرائيل.
كما يشير إلى أن الضغوط الأمنية المتزامنة على الحدود، إلى جانب محدودية القدرات، دفعت نحو سياسة خارجية حذرة تميل إلى تجنّب المواجهات، مع غياب تدخلات حاسمة في أزمات مثل ليبيا، والسودان، وإثيوبيا، وسوريا وغيرها.
وتضيف النقاشات أن هذا المسار يمثل أيضًا انعكاسًا لتصورات القيادة السياسية التي حدّت من توظيف أدوات السياسة الخارجية، وأضعفت القدرة على بناء تحالفات أو ممارسة ضغط مؤثر في الساحة الدولية، مع تزايد الاعتماد على الولايات المتحدة.
رغم وجاهة هذه الآراء، إلا إننا نرى فيها طرحاً مثالياً، إن لم يكن أيديولوجياً، أو بافتراض حسن النية، تفكيراً بالتمني. بكلمة أخرى، إننا وإن كنا نتفق مع مصوغاته ومقولاته الأولية، إلا أننا نختلف مع نتائجه النهائية.
من نافلة القول، أن فهم تعقيدات قرار السياسة الخارجية المصرية يتطلب مبدئيًا استيعاب أهمية مفهوم “الثقافة الاستراتيجية”، الذي يعكس التصورات والافتراضات الأساسية للدولة تجاه السياسة الخارجية والأمنية والدفاعية. وتمتلك مصر، شأنها شأن سائر الدول، هويات تُسهم في تشكيل إدراك النخب وصنّاع القرار لبيئتها الاستراتيجية ولمصالحها الوطنية. وبناءً على ذلك، تتأثر خيارات السياسة الخارجية المصرية بثقافة استراتيجية تتصدر فيها التجارب التاريخية والدروس المستفادة من الماضي. كما تتأثر هذه الخيارات بطبيعة البيئات الاستراتيجية المحيطة، ومدى ما تفرضه من قيود أو تتيحه من هوامش للحركة.
مع كامل التقدير للطرح محل النقاش، يمكن القول إنه ينطوي منذ بدايته على درجة ملحوظة من الانحياز التأكيدي. فبينما لا يُنكر أحد أن السياسة الخارجية المصرية تعاني من أزمة واضحة خلال العقود الثلاثة الماضية، إلا أن أغلب المناقشات حول السياسة الخارجية والدور الدولي المصري ما زالت تركز بشدة على العوامل النظامية/الخارجية، وتتجاهل بشدة المتغيرات المحلية، وعلى وجه الخصوص تحديات وديناميات عملية صنع القرار الوطني.
إذ يلاحظ غياب النظر إلى توجهات السياسة الخارجية المصرية منذ عام 2014 بوصفها تجسيدًا لرؤية محددة لدى النظام السياسي تجاه أوضاع الإقليم والنظام الدولي، وكذلك تجاه تموضعه الذاتي ضمن هذه البنية المعقدة. كما لم يُؤخذ في الاعتبار الكيفية التي قام من خلالها النظام، بوصفه فاعلًا مميزًا عن الدولة أو الحكومة، بتحديد مصالحه القومية، سواء الأمنية أو السياسية، استنادًا إلى تقديراته وحساباته الخاصة، وهي تقديرات قد تكون محل اختلاف، غير أن مناقشة ذلك تمثل مسألة منفصلة لست معنياً بالتطرق إليها.
هذه التصورات الإدراكية هي التي شكلت اتجاهات السياسة الخارجية وأنماط سلوكها. وسواء وُصفت بأنها دفاعية، أو انكماشية، أو حتى انعزالية، إلا إنها تعبّر وتمثّل وجهات نظر النظام الرسمي. ومن منظور حسابات النظام وتقديراته، فإنه يرى نفسه ناجحًا في تحقيق هذه المصالح، أو تحقيق الجزء الغالب منها.
يمكن، في هذا السياق، تحديد مجموعة من المصالح الأساسية التي نرى أنها تشكل الإطار المرجعي لتصورات النظام بشأن دوره الإقليمي والدولي، ومن أبرزها: (1) أمن النظام، (2) الحفاظ على وحدة الدولة المصرية وتكاملها الوظيفي، (3) تجنب الانخراط في حروب خارجية، (4) مكافحة الإرهاب، (5) تعزيز البنية الاقتصادية، باعتبارها محددًا ومحركًا للعلاقات والتحالفات الخارجية.
لا شك أن تقييم جدوى هذه التصورات أو تداعياتها على الأمن القومي المصري ودورها الدولي والإقليمي، على المديين المتوسط والطويل، يظل محل خلاف مشروع، غير أن ذلك يندرج ضمن نقاش مغاير. الأهم هنا، إذا ما أردنا تبني مقاربة واقعية، بالمعنى المستخدم في أدبيات العلاقات الدولية والدراسات الأمنية، لا سيما ما يتعلق بمفاهيم الاعتماد على الذات، والتمييز بين الدول الساعية للأمن، وتلك الساعية للقوة أو للمكانة، هو فهم كيفية إدراك النظام المصري، وتحديدًا النخبة المؤثرة في عملية صنع القرار، لطبيعة الإقليم وتفاعلاته وأدوار الفاعلين الرئيسيين فيه.
ويتم هذا الإدراك في ضوء عاملين أساسيين: أولهما، تأثير هذه التفاعلات على بقاء النظام وأمنه؛ وثانيهما، تداعيات الانخراط في استقطابات حادة، في ظل سيولة واضحة في بنية التحالفات الإقليمية.
مرة أخرى، تظلّ مسألة الاتفاق أو الاختلاف مع هذه التصورات منفصلة عن التحليل. بل إن فهمها يتطلب الابتعاد عن افتراضات معيارية مثل ضرورة أو حتمية التدخل في الصراعات الإقليمية، أو السعي إلى كبح جماح إسرائيل، وهي افتراضات لا تبدو منسجمة مع إدراك النظام لمصالحه وقدراته. فالنظام، وفقًا لهذا المنظور، لا يرى في مثل هذه الأدوار مصلحة مباشرة له (إن لم يكن ضرراً واضحاً)، كما أنه يدرك حدود قدراته وإمكاناته، ومن ثم يتجنّب التورّط في مسارات تتجاوز هذه الحدود.
ومن هنا، فإن النظر إلى السياسة الخارجية باعتبارها امتدادًا مباشرًا للسياسة العسكرية، أو تقييمها بناءً على مستوى التدخّل العسكري، لا يُعد مدخلًا تحليليًا دقيقًا، بل قد يكون مضللًا ويؤدي إلى استنتاجات ذات طابع توريطي، وربما كارثي.
ما يبدو ظاهرًا لنا هو أن النظام المصري يدرك هذه الاعتبارات بدرجة كبيرة؛ إذ تشير المعطيات إلى تعدد محاولات دفع مصر نحو الانخراط في صراعات إقليمية منذ 2012–2013. وقد قمت في دراسة سابقة لي بحصر ما يزيد عن خمس محاولات جدية كانت تسعى لتوريط مصر في صراعات بينية مع جيرانها في الإقليم. غير أن سلوك النظام لا يعكس تراجعًا بقدر ما يعكس التزامًا بنسق عقيدي محدد يوجّه إدراكاته ويؤطر حساباته واستراتيجياته.
هذا النسق هو الذي يحدد ما يُعد خطوطًا حمراء، بل ويدفع، في بعض الحالات، إلى استخدام محدود وموجَّه للقوة العسكرية دفاعًا عن مصالحه الاستراتيجية الأساسية، كما في حالتي ليبيا والسودان، وربما في التلويح المرتبط بقطاع غزة، وقتما ارتفعت نبرة العداء والخصومة مع إسرائيل، للدرجة التي أوحت بأن الأخيرة قد لا تتردد في فرض سياسات الأمر الواقع (الخاصة بالتهجير القسري للفلسطينيين) التي تتعارض مع مصالح الأمن القومي للدولة المصرية (وليس فقط للنظام).
وعليه، فإن إدراك النظام لحدود قدراته لا يعني بالضرورة ضعفه، بل يمثل عاملًا حاكمًا لسلوكه الخارجي، من حيث نطاقه وأدواته، في ضوء تصوراته لترتيب أولوياته ومصالحه. وبينما تتباين التقييمات حول هذه السياسات والسلوكيات، وهو أمر طبيعي، غير أن التحليل الموضوعي يقتضي الانطلاق من فهم تصورات النظام ذاته للنظامين الدولي والإقليمي، والاعتراف بأن استجابات مصر لتطورات الإقليم هي نتاج مباشر لهذه التصورات، لا سيما عند تناولها من زاوية صنع القرار.
كما ينبغي التأكيد على أن تبني سياسة تهدف إلى تجنب الحروب لا ينبغي تفسيره بوصفه مؤشرًا على التراجع أو الضعف. فطالما أن المصالح الحيوية، كما يعرّفها النظام نفسه، لا الفاعلون الخارجيون ممن هم خارج بنية السلطة أو المسؤولية، والمتمثلة في بقاء النظام، ووحدة الدولة، وصون الأمن القومي، مصانة، إلى جانب المصالح الاستراتيجية المرتبطة بتوازنات القوة، ومجالات النفوذ، وحماية الموارد الحيوية (مثل المياه)، وتأمين الممرات الاستراتيجية (وفي مقدمتها قناة السويس والبحر الأحمر)، فإن خيار تجنّب الانخراط في الحروب قد يكون أكثر كفاءة وفاعلية، رغم محدودية قبوله الشعبي في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب والاستقطاب، وسط سيادة الانحياز ضيق الأفق على المشهد الإعلامي. وفي المقابل، فإن الانخراط في صراعات عسكرية بهدف حماية مصالح ثانوية أو غير حيوية، حتى وإن كانت مؤثرة، قد لا يكون خيارًا رشيدًا، خاصة إذا كانت هذه المصالح قابلة للتفاوض أو لإعادة الترتيب ضمن أطر تفاهمية.
إن القول بأن الطروحات المتعلقة بدور مصري فاعل في صراعات كالحرب في الخليج، أو مشاريع مثل “القوة العربية المشتركة”، باعتبارها غير واقعية في ظل توازنات إقليمية تخضع بدرجة كبيرة للنفوذ الأميركي، وغياب الشروط السياسية والعسكرية اللازمة، لا يعكس كامل الحقيقة. بل إنه في الواقع يمثل ترديداً لشعارات أيديولوجية غير واقعية، وتسطيحاً يعكس عدم فهم لمدى تركيب وتعقيد المشهد الدولي، ناهيك عن الحسابات المعقدة التي يجد فيها صناع القرار أنفسهم في رحاها. مدركين أن أحد أهم أسباب الاضطراب والتورط في الحروب إنما هو نتاج للحسابات الخاطئة.
في النهاية، يظل الاختلاف قائمًا حول مدى دقة وعقلانية هذه التصورات، وكذلك بشأن جدوى السياسات المنبثقة عنها وتداعياتها. وعليه، فبينما لا نختلف حول أن فاعلية أي نقاش جاد حول الدور المصري يجب أن تنطلق بداية من قراءة واقعية لمحددات القوة والقيود البنيوية، وليس من تصورات تستند إلى أدوار تاريخية لم تعد شروطها قائمة. إلا أن الاكتفاء فقط بالعوامل الخارجية أو المرتبطة بالبيئة الدولية، والضغوط التي يفرضها النظام الدولي على الدول والقوى المتوسطة (مثل مصر) دون الالتفاف للعوامل والمتغيرات والتفاعلات على المستوى المحلي (ودون المحلي أحيانًا) مثل تجاهل تصورات صناع القرار، أو عدم استيعاب منطقها كمنطلق للتحليل قد يؤدي إلى أخطاء تفسيرية واستنتاجات غير دقيقة حول الدور المصري في الأزمات والصراعات الإقليمية والدولية.




