شؤون لبنانية

ما الجديد في ملف ترسيم الحدود البحرية مع اسرائيل؟

عاجلاً أم آجلاً ستنتهي مسرحية “ترسيم الحدود” ويخرج الممثلون و”الكومبارس” من المسرح، وسيظهر الرشدُ من الغي و السمسارُ من صاحب الحق والطيبُ من الخبيث، وسيعلم الجميع من كان يبيع في حقوق لبنان ومن الذي يشتري. وإذا كان ثمة شعبٌ حيّ يدّعي أنه سيّد، سيتعيّن عليه إجراء محاكمات شعبية وسياسية وقضائية بحقّ المجرّمين المفرّطين بحقوق أجيالٍ لم تولد بعد. حينها وحينها فقط، سيتبيّن لنا ما في مقدور هذا الشعب أن يفعل وهل فعلاً يستحقّ الحياة!

في النتيجة، لن يطول الأمر قبل اكتشاف ما في جعبة الوسيط الأميركي عاموس هوكشتين، حين عودته إلى بيروت حاملاً معه الأجوبة على المقترحات التي سوّقَ لها في تل أبيب، أي المقترحات التي ضُبط متلّبساً وهو ينقلها إلى الإسرائيليين، والتي يدور حولها لغطٌ كبير هنا، مع بروز عامل مهمّ يوحي بعدم الإرتياح ، جرّاء وجود أطرافٍ تسعى إلى طمس معالم ما بحثه الرجل في العاصمة اللبنانية، وما نقله منها إلى الأراضي المحتلة.

يكبر الشكّ حول وجود “مشروع صفقة” حول الحدود البحرية يجري بحثها بشكل جدّي عبر الأسلوب الجوّال بين بيروت وتل أبيب بإدارة من عاموس هوكشتين وإطلاع وموافقة من قبل السياسيين. نقزة “حزب الله” في هذا الاطار والتي عبّر عنها أمينه العام السيد حسن نصرالله قبل مدة، معبرة و بالغة الدلالات في مضمونها، ويجب أن تؤخذ على محمل الجدّ. لدى الحزب “خشية” من وجود نية للتلاعب بالحدود البحرية. يشاركه هذه الخشية جيشٌ من المتابعين، من الذين يتحسسون الرغبة في الإجهاز على الحدّ الأدنى من الحقوق مقابل الظفر بعقود الغاز. يقابل هذا الشكّ ارتيابٌ مشروع ينشأ في مكانٍ آخر، من الطريقة التي يُدار فيها “مسار عاموس” والنموذج الجديد من المفاوضات ككلّ، والذي يوحي بغموضٍ يُراد من خلاله تمرير شيءٍ ما، بدليل إخفاء المعطيات من أمام المعنيين في الملف وعدم اطلاعهم على ما يجري، أو على مضمون الإقتراحات ومسار سيرها، والتصرّف بشكلٍ استنسابي بعيداً عن الشفافية.

في العمق، بلغ الأمر بأكثر من طرف، إلى الشكّ بطبيعة ما يحصل. ويعتقد هؤلاء أنه لن يطول الأمر حتى نستيقظ على حلّ بحري مفروض علينا كأمر واقع، نتخلّى على إثره عن مناطق محدّدة لقاء الظفر بأشياء أخرى! ووفق اعتقادهم، لن يمنحنا التوصّل إلى اتفاق، الحقّ في تصريف المنتوج بعدما يتاح لنا التنقيب، ما دُمنا سنبقى خارج الإطار المرسوم للبيع، بل سنكون قد تقدّمنا بتنازل مجاني لقاء إكتساب حدٍ أدنى من حقوقنا ما يعني خسارة على المدى البعيد. وفي النتيجة، “محور الانتاج والبيع” خاضع لاعتبارات تفاوضية أخرى، تفوق الإطار التنظيمي الجاري ترتيبه حالياً، ولو أن تباشير أي اتفاق سيعني المضي قدماً في اتفاق أكبر مترافق مع تنازل أكبر!

على المقلب الداخلي، يبدو أن التحضيرات لبلوغ هذا اليوم قد بدأت بالفعل. رئيس الجمهورية ميشال عون، عاد يتحدث عن رفضه توقيع المرسوم 6433 طالما نحن في مرحلة تفاوض. في مكانٍ آخر يتصرّف العدو الإسرائيلي كطرف متحرّر من هذه المرحلة: يوقع عقود ويستدعي شركات للتنقيب ويعمل بحرية تامة ضمن المناطق “المتنازع عليها”. هذه الخفّة في التعاطي ترتدّ سلباً على لبنان وتجعل من موقعه وموقفه ضعيفاً في التفاوض. يغيب التوازن عن الملف اللبناني بقرار رسمي إذاً، ربما انتظاراً لكلمة سرّ تأتي من مكانٍ ما.

نظرياً، رئيس الجمهورية يُتهم اليوم بتدشين هذا المسار. كلامه الإعلامي قبل أيام حول “طلب لبنان تعديلات على خطوط التفاوض غير المباشر مع إسرائيل” يتفاعل سياسياً. معلومات “ليبانون ديبايت”، تشير إلى عدم علم الأطراف الرئيسية المعنية بالتفاوض ، برفع أو تقديم طلبٍ من هذا النوع. ما يزيد الأمر تعقيداً، أن إعلان طلب التعديلات خلق التباساً حول طبيعته. ما هو المقصود بتعديل خطوط التفاوض؟ هل يعني الإتفاق على خطّ جديد، أم المقصود إحداث تغييرٍ ضمن المسار نفسه؟ التدقيق في المعطى الأول يخلق التباساً أكبر من الإلتباس الأول. يتولّد سؤال حول الجهة المخوّلة رسم هذا الخط طالما أن الجانب المعني قد جرى استثناؤه من الإعلام عن الخطوة أو استشارته. ينسحب عدم الوضوح في المشهد على الجانب الثاني الداعي لإدخال تغيير على المسارات. يحتاج أي تدبير من هذا النوع إلى المرور بمسارٍ سياسي متعرّج، يبدأ في إعادة صوغ خطاب الوفد العسكري التقني المفاوض بصفته مندوباً شرعياً لتمثيل لبنان. هذا يشكّل تهديداً صريحاً لوجود الوفد والتغطية السياسية له. فبمطلق الأحوال، أي تعديل على الرؤية التفاوضية المتفق عليها في مجلس الوزراء يحتاج إلى توافقٍ سياسي وجلسة حكومية لإقراره. كيف يمكن توفير ذلك الآن في ظلّ حالة الخلاف الراهن حول النظرة إلى مستقبل التفاوض وآلياته؟ في الأساس، كيف يمكن تحقيق شيء من ذلك في ظلّ حالة الشلل التي تعتري عمل الحكومة؟

المزعج أن إذاعة “الكلام الرئاسي” الذي يستدعي البحث عن مصدر نشوئه، نمّى الشكوك حول وجود “بوسطة من المخرّبين” تتحرك على متن خطوط غير رسمية مستغلةً حضورها الرسمي لتمرير إسقاطات مشبوهة في الملف، من قبيل إعادة الإتفاق على خطوط بديلة تتم من خارج المفاهيم القانونية والإتفاقيات الدولية المعمول بها. بشكل عام ما يجري غير مريح. تسأل من هم معنيون في أمر الترسيم فتلقى إجابات غير مطمئنة وواضحة ويملؤها الشك والغموض وعدم الارتياح، وتوحي بالتباس بدورها وبحالة من الضياع تعتري المشهد منذ أن اختار الفريق السياسي تسلّم دفّة الأمور، بخلل يصيب المسار، بوجود ضعف في المعلومة أو غياب للمعطيات لا توحي بسلامة أبداً.

المصدر
ليبانون ديبايت

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى