رأي

ماكندر وسبيكمان: مفتاح فهم السياسات الأميركية العدائية

جمال واكيم – الميادين:

منطق هالفورد ماكندر ونيكولاس سبيكمان لا يزالان يشكلان السند الذي ينطلق منه المنطق الانكلوساكسوني لتصور العالم ولبناء استراتيجيته للهيمنة عليه.

خلال العقود الأربعة التي تلت انهيار الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة، شهد العالم تحولات كبرى خصوصاً في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية، ما أنتج ديناميات صراع جديدة اجتذبت اهتمامات المحللين الجيوسياسيين وجعلتهم يركزون عليها في محاولة لفهم التحولات حول العالم.

واللافت في الأمر أن هؤلاء المحللين، وخصوصاً الغربيين منهم، ظنوا أنه يمكن لهم أن يتجاوزوا أسس فهم الصراعات ودينامياتها بما يتجاوز تلك التي وضعها المفكرون الانكلو ساكسون بدءاً من الادميرال الفرد ثاير ماهان، انتقالاً إلى السياسي البريطاني المخضرم هالفورد ماكندر، والأميركي الهولندي الأصل نيكولاس سبيكمان.

هنا ظهرت نظريات نهاية التاريخ مع فرنسيس فوكوياما وصراع الحضارات مع سامويل هانتنغتون وغيرهما والتي حاولت تجاوز المفكرين الجيوسياسيين الكلاسيكيين آنفي الذكر والذين فسروا الصراع ببعده الجغرافي القائم على صراع بين القوى البحرية الممثلة بالانكلو ساكسون والقوى البرية المتمركزة في قلب الكتلة الاسيوية – الأوروبية التي يصطلح على تسميتها باوراسيا.

إلا أن الصراعات التي انطلقت منذ بداية الالفية أظهرت بوضوح أن العامل الجغرافي يبقى هو العامل المقرر في تحديد الخطوط العامة للصراع، على الرغم من أن التحولات الاقتصادية والتقدم التكنولوجي منحه أشكالا جديدة. وقد حتم ذلك إعادة الاعتبار لنظريات المفكرين الجيوسياسيين الكلاسيكيين والتي صاغها ماكندر والتي تعتبر أن من يسيطر على قلب العالم يمكنه أن يكون في وضع أمثل لتحدي هيمنة القوى البحرية على العالم، والتي استند اليها المفكر الأميركي نيكولاس سبيكمان لصياغة نظريته حول حافة العالم التي تشكل المنطلق الأمثل لتحدي هذه الهيمنة.

عودة الى ماكندر وسبيكمان
إذا عدنا إلى نظرية هالفورد ماكندر فإنها تقوم على فكرة أن الكتلة الاوراسية تمثل المركز الجغرافي للعالم بحكم أنها تشكل أكبر كتلة برية في الكرة الأرضية، وتعتبر أن القوة التي تتمكن من السيطرة على قلب العالم ستكون في النهاية قادرة على السيطرة على الكتلة الأوراسية من جهة وعلى أفريقيا من جهة أخرى، علماً أن الكتلة الأوراسية وأفريقيا شكل المحور الذي استند إليه التطور الحضاري منذ فجر التاريخ، قبل أن ينتقل مركز الثقل إلى العالم الجديد بنتيجة اكتشاف كريستوفر كولمبس للقارة الأميركية في أواخر القرن الخامس عشر وانتقال مركز الثقل الاقتصادي والاستراتيجي الى شمال المحيط الأطلسي بدءاً من القرن السابع عشر وحتى يومنا هذا.

وبناء على دراسة معمقة فإن ماكندر صاغ مقولته الشهيرة والتي تقول بأن “من يحكم أوروبا الشرقية يسيطر على قلب العالم، ومن يحكم قلب العالم يسيطر على جزيرة العالم، ومن يحكم جزيرة العالم يسيطر على العالم.” وقد شكلت هذه المقولة السند الرئيسي لفهم الاستراتيجية البريطانية لمواجهة الإمبراطورية الروسية خلال القرن التاسع عشر، ومن ثم مواجهة الاتحاد السوفياتي بعد انتصار الثورة البولشفية في العام 1917 اكان من قبل بريطانيا او من قبل الولايات المتحدة الأميركية.

خلال الاربعينات من القرن الماضي وفي خضم الحرب العالمية الثانية نشر نيكولاس سبيكمان كتابه الذي قدم فيه مراجعة لنظرية ماكندر معتبرا ان التحدي الرئيسي لهيمنة القوى البحرية التي يهيمن عليها الانكلوساكسون لا تأتي من قلب العالم بل من منطقة “حافة العالم” التي تحيط بالقلب.

ويستند سبيكمان إلى واقع أن هذه المناطق تضم الموانىء الكبرى والمراكز الصناعية والتكتلات البشرية الكبرى، كما أنها تمثل حلقة الوصل بين قلب العالم والقوى البرية من جهة والقوى البحرية من جهة أخرى.

بناء عليه، فإتن سبيكمان صاغ فكرته بضرورة تدخل الولايات المتحدة لمنع أي قوة قارية من السيطرة على حافة العالم حتى لا تشكل منطلقاً لها لتحدي الهيمنة الأميركية على طرق الملاحة البحرية التي تمر بها أكثر من 80 بالمئة من التجارة العالمية. وقد شكلت مقولات سبيكمان الأسس التي استندت إليها الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة لترسيخ استراتيجيتها لاحتوء الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة.

مقالة بيكل وبراندز وإعادة الاعتبار لماكندر وسبيكمان
هنا تبرز أهمية مقالة مايكل بيكلي وهال براندز في مجلة “فورين افيرز” بعنوان “قلب العالم في مواجهة حافة العالم: خطوط المواجهة على النظام العالم الجديد.” وتستند هذه المقالة إلى نظريات ماكندر وسبيكمان لمحاولة تفسير الصراع الدائر اليوم بين روسيا والصين من جهة والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى.

ويعتبر الكاتبان أن الصراع هو في حقيقته بين محور قاري يحتل قلب الكتلة الأوراسية ويتشكل من الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية (كوريا الديمقراطية) من جهة وتحالف بحري تقوده الولايات المتحدة ويضم إليها كلا من أوروبا الغربية واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا إضافة الى عدد اخر من الحلفاء الأصغر حجماً.

يعتبر الكاتبان أن الصراع الدائر حالياً بين المحور القاري من جهة ومحور القوى البحرية من جهة أخرى لا يمكن أن يخرج عن الأطر التي سبق وحددها كل من ماكندر وسبيكمان قبل ما يزيد عن ثمانية عقود (علماً أن ماكندر كتب مقالته في العام 1904).

ويعتر بيكلي وبراندز أن الصين وروسيا وايران وكوريا الشمالية تشكل منطقة “قلب العالم” التي تحدث عنها ماكندر قبل 122 عاما. إلا أن هذه المنطقة التي كانت تتموضع فيها الإمبراطورية الروسية خلال القرن التاسع عشر والاتحاد السوفياتي حتى العام 1989، والذي كان يتحدى هيمنة الامبريالية الانكلوساكسونية، بات يستند إليها تحالف من القوى التي تدعو إلى إنهاء الأحادية القطبية الأميركية المفروضة على العالم، والتي تدعو الى نظام متعدد الأقطاب.

ويستند هذا التحالف الى تعاون بات يرقى إلى نوع من التكامل بين الدول الأربعة آنفة الذكر في مجالات التكنولوجيا والطاقة والتجارة والصناعات العسكرية بما يسمح لها بتخفيف العقوبات الغربية المفروضة عليها وتعزيز قدراتها الاستراتيجية في مواجهة الحصار الذي تحاول الولايات المتحدة فرضه عليها.

توزيع الأدوار داخل المحور القاري
بالاستناد الى نظرية الكاتبين المستندة بالأساس الى كل من ماكندر وسبيكمان، نرى أن الصين باتت تحتل موقع القيادة داخل هذا المحور بحكم أنها القوة الأكثر تعداداً للسكان بواقع 1.4 مليار نسمة، والبلد الأقوى من حيث الاقتصاد والتي باتت تحتل المركز الثاني في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية بواقع ناتج محلي قائم بات يناهز العشرين تريليون دولار. واذا اخذنا بالاعتبار القوة الشرائية فإنه يمكن أن نقول إن الصين باتت تفوق على الولايات المتحدة اقتصادياً خصوصاً إذا ما أخذنا بالاعتبار حجم الدين الأميركي الذي بات يتجاوز الأربعين تريليون دولار في مقابل ناتج محلي يناهز 27 تريليون دولار.

وتمتلك الصين رؤية لنظام عالمي جديد لا يقوم على هيمنتها بل على منصة قدمتها للعالم وتتمثل بمبادرة حزام وطريق والتي تهدف الى ربط الكتلة الاوراسية وافريقيا بشبكة من الطرق البرية والبحرية بما يكسر عمليا الهيمنة الأميركية – الانكلوساكسونية على طرق الملاحة العالمية والتجارة الدولية. ويعتبر الكاتبان أن هذه المبادرة لا تقتصر على البعد الاقتصادي بل أنها تعتبر أداة جيوسياسية تؤدي الى “توسيع النفوذ الصيني وربط الدول النامية او دول عالم الجنوب بالاقتصاد الصيني بما يضمن نفوذا صينيا سياسيا واستراتيجيا طويل الأمد” حسب ما يرى الكاتبان.

ووفقاً للمقالة، فإن روسيا تشكل الدرع العسكري للمحور القاري. فهي تعتبر القوة العسكرية الثانية في العالم بعد الولايات المتحدة، ويمكن لها ان تشكل سندا للصين لحين قيام هذه القوة الأخيرة ببناء قوتها العسكرية. كما يرى الكاتبان ان كوريا الشمالية تشكل عامل استنزاف للولايات المتحدة في شرق اسيا، فيما تشكل ايران رادعا للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

الواقع الميداني الحالي
بالعودة الى الواقع الميداني، نجد أن الصين وروسيا وكوريا الشمالية وايران تقوم بالتكامل في ما بينها لمواجهة الهيمنة الانكلوساكسونية. والجدير ذكره في هذا الإطار أن الصين تعمل حالياً على بناء أكبر قوة بحرية في العالم بما يكسر الهمينة الأميركية على البحار، فيما تسعى بكين لأن تطور قدراتها الصاروخية والفضائية والنووية إضافة الى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي المستندة الى شبكة اتصالات من الجيل الخامس والسادس وأنظمة دفع رقمي، بما يجعلها قادرة على المزاوجة بين القوة البحرية والقدرات الرقمية وهما المجالان اللذان تستند اليهما واشنطن حاليا لفرض هيمنتها العالمية. هذا بحد ذاته يدفعنا الى الاستنتاج بأن الصين تندفع بقوة لكسر الهيمنة الأميركية على العالم.

في ما يتعلق بروسيا، فإنها على الرغم من حجمها الديمغرافي الضئيل نسبة للمساحة التي تحتلها، بواقع 150 مليون نسمة في دولة تتجاوز مساحتها 17 مليون كيلومترا مربعان وعلى الرغم من حجمها الاقتصادي الذي لا يمكن مقارنته بالاقتصاد الأميركي، إلا أنها تشكل القوة العسكرية الثانية في العالم بعد الولايات المتحدة حيث تتساوى معها في عدد الرؤوس النووية بواقع نحو 6 الاف رأس نووي ما يجعلها قوة ردع نووية للولايات المتحدة، إضافة الى قدراتها الجوية والبرية والبحرية الهائلة التي تشكل ردعا لواشنطن. هذا يجعل القوة العسكرية الروسية تتكامل مع القوة الاقتصادية الصينية في مواجهة القوة العسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة الأميركية.

ورغم العقوبات الغربية عليها فلقد تمكنت روسيا التعاون مع إيران وكوريا الشمالية والصين لتطوير القدرات العسكرية لهذه الدول خصوصاً في مجالات الحروب السيبرانية والمسيرات والأنظمة العسكرية غير المأهولة. وقد نقلت موسكو الى حلفائها التكنولوجيا المتطورة في مجال الدفاع الجوي والغواصات والصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى بما يعزز التكامل العسكري بين هذه الدول في مواجهة القوة العسكرية للولايات المتحدة وحلف الناتو مجتمعا.

في ما يتعلق بكوريا الشمالية، فإنها تشكل خط دفاع رئيسي عن العمق الصيني من جهة كما تشكل رأس جسر لاختراق الحصار البحري الذي تحاول الولايات المتحدة فرضه على الصين وروسيا في شرق اسيا عبر تحالف واشنطن مع اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والفليبين وأستراليا. اما ايران فهي تحتل موقع القلب في هذا المحور وتمثل عقدة الوصل بين مختلف اطرافه، عدا عن انها تشكل عقدة الوصل بين مختلف فروع مبادرة حزام وطريق الصينية وجسر عبور لبكين باتجاه شرق المتوسط وأوروبا.

إضافة الى ذلك فإن طبيعتها الجغرافية التي تتالف من سلاسل جبال تجعلها هضبة عالية تطل على سهول وسط اسيا من جهة والسهول الممتدة من بلاد ما بين النهرين حتى جبال لبنان الشرقية غربا وجبال عسير جنوبا. بالتالي فإن أهمية ايران بالنسبة لروسيا والصين تتمثل في أنها يمكن ان تقفل منطقة وسط اسيا امام محاولات التوغل الأميركي، علما ان هذه المنطقة تشكل الخاصرة الرخوة في الامن القومي الروسي والصيني، كما انها تشكل منطلقا نحو شرق المتوسط والبحر الأحمر.

استنتاج
بنتيجة ما تقدم نجد ان منطق هالفورد ماكندر ونيكولاس سبيكمان لا يزالان يشكلان السند الذي ينطلق منه المنطق الانكلوساكسوني لتصور العالم ولبناء استراتيجيته للهيمنة عليه.

فالولايات المتحدة تحدد الصين على أنها العدو الأول الذي يجب مواجهته وهذا ما تجلى في عقيدة الأمن القومي التي اطلقها الرئيس الحالي دونالد ترامب في بداية العام 2026. بناء عليها فهو حاول تحييد روسيا ليحرم الصين من الدرع الذي يحميها، كما انه حاول ضرب ايران بغية منع الصين وروسيا من الوصول الى شرق المتوسط والبحر الأحمر من جهة وبغية التوغل منطقة وسط اسيا من جهة أخرى لتهديد الامن القومي الروسي والصيني. إضافة الى ذلك فإن الاستراتيجية الأميركية تقوم على الهيمنة على أوروبا الغربية وعلى الدول الجزر في شرق اسيا لتطويق التحالف الصيني الروسي الإيراني الكوري، إضافة الى محاولتها اجتذاب الهند الى صفها بغية اكمال عقد التطويق. ويمكن لنا ان نستند الى هذه الابعاد لفهم مجمل ديناميات الجارية في العالم على بنية النظام الدولي المقبل.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى