خاصأبرزرأي

لقاء كسر الجليد بين عون وبري

حسين زلغوط – خاص ـ “رأي سياسي”:

كان لافتًا أمس الحفاوة التي حظي بها رئيس مجلس النواب نبيه بري مع بداية اللقاء الذي جمعه مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في القصر الجمهوري، حيث بادر عون بري بالقول: “اشتقنالك”، ليرد رئيس المجلس قائلًا: “ونحن بالأكثر”.

هذا اللقاء الذي حصل بعد محطات سياسية مهمة، أبرزها زيارة الرئيس عون إلى واشنطن ولقائه الرئيس دونالد ترامب، حمل في مضمونه رسائل سياسية بالغة الأهمية، سواء من خلال مضمون البحث أو من خلال المشهد الذي رافق الاستقبال، والذي عكس بوضوح عودة الدفء إلى العلاقة بين الرئاستين الأولى والثانية بعد أشهر من الفتور والانقطاع، وهي عودة تكتسب أهمية استثنائية في مرحلة يقف فيها لبنان أمام استحقاقات دقيقة، تتداخل فيها الملفات الداخلية مع التحديات الإقليمية، وفي مقدمتها مسار التفاوض مع إسرائيل، والذي سيستأنف مع بداية الشهر المقبل.

لقد أثبتت السياسة اللبنانية، على مدى الحقبات الماضية، أن انتظام عمل المؤسسات يبدأ من انتظام العلاقة بين كبار المسؤولين، وأن أي تباعد بين الرئاسات ينعكس تلقائيًا على أداء الدولة ويزيد من مناخ الانقسام، فيما يشكل التفاهم بينها عنصر طمأنينة للقوى السياسية، وللرأي العام، وللمجتمع الدولي على حد سواء.

فاللقاء الذي حصل أمس أعطى انطباعًا بأن المرحلة الماضية بكل ما حملته من تباينات قد أصبحت خلف الطرفين، وأن الضرورات الوطنية فرضت إعادة فتح قنوات التواصل المباشر بعيدًا من الحسابات الضيقة. فلبنان يعيش مرحلة لا تحتمل استمرار التباعد، خصوصًا في ظل الملفات المهمة المطروحة، من إعادة تثبيت الاستقرار جنوبًا، إلى استكمال تنفيذ التفاهمات الأمنية، وصولًا إلى ورشة الإصلاحات الاقتصادية والإدارية التي تحتاج إلى تعاون كامل بين السلطات الدستورية.

ويكتسب هذا التقارب أيضًا أهمية إضافية، لأن رئيس مجلس النواب يمثل ركنًا أساسيًا في الحياة السياسية اللبنانية، ليس فقط بحكم موقعه الدستوري، بل أيضًا بحكم دوره في إدارة الحوار بين القوى السياسية المختلفة، فيما يمثل رئيس الجمهورية رأس الدولة والمرجعية الجامعة، الأمر الذي يجعل أي تفاهم بينهما عاملًا أساسيًا لتخفيف التوترات السياسية وإعادة تنشيط عمل المؤسسات.

أما على المستوى الإقليمي، فإن المناخ الإيجابي الذي ظهر في بعبدا يتجاوز الإطار الداخلي، إذ يأتي في توقيت بالغ الحساسية يتصل بعملية التفاوض الجارية بين لبنان وإسرائيل حول تثبيت التفاهمات الأمنية واستكمال معالجة الملفات العالقة. وفي مثل هذه الظروف، تبدو وحدة الموقف الرسمي اللبناني عاملًا حاسمًا في تعزيز قدرة الدولة على إدارة المفاوضات من موقع متماسك، بعيدًا من أي انقسامات داخلية يمكن أن تُستغل لإضعاف الموقف اللبناني، فأي عملية تفاوض، مهما كانت طبيعتها، تحتاج إلى غطاء سياسي موحد وإلى تنسيق دائم بين المؤسسات الدستورية، وهو ما يعزز صدقية الدولة ويمنح الوفد اللبناني قوة إضافية في الدفاع عن الحقوق الوطنية، سواء ما يتعلق بالسيادة أو بالحدود أو بالترتيبات الأمنية التي تضمن الاستقرار.

كما يفتح هذا التقارب أيضًا الباب أمام مرحلة أكثر هدوءًا على المستوى السياسي، خصوصًا أن البلاد مقبلة على ملفات مالية واقتصادية معقدة تتطلب تعاونًا بين السلطتين التنفيذية والتشريعية لإقرار مشاريع القوانين الإصلاحية وإعادة تحريك عجلة الدولة بعد سنوات من التعثر.

ويفترض أن تنعكس الأجواء الإيجابية بين الرئاستين على عمل الحكومة، وتخفف من احتمالات الاشتباكات السياسية التي كثيرًا ما كانت تؤخر اتخاذ القرارات، وهو ما يحتاج إليه اللبنانيون في هذه المرحلة أكثر من أي وقت مضى، بعدما أنهكتهم الأزمات الاقتصادية والمعيشية والأمنية.

ولا يمكن إغفال البعد المعنوي لهذا اللقاء، إذ إن مشهد الاستقبال الحار وما رافقه من ارتياح سياسي أعاد التأكيد أن الحوار يبقى المدخل الطبيعي لمعالجة الخلافات، وأن المؤسسات الدستورية قادرة على تجاوز مراحل التباعد عندما تتقدم المصلحة الوطنية على الاعتبارات الأخرى.

لا شك أن ما شهده قصر بعبدا قبل ظهر أمس يؤسس لمناخ مختلف عنوانه التعاون بدل المواجهة، والتنسيق بدل القطيعة. وإذا ما استمرت هذه الروحية خلال المرحلة المقبلة، فإن لبنان سيكون أمام فرصة حقيقية لتعزيز استقراره الداخلي، وتحصين موقعه التفاوضي، وإعادة إطلاق عمل مؤسساته على قاعدة الشراكة الوطنية، بما يمنح اللبنانيين جرعة أمل بأن الدولة بدأت تستعيد تدريجيًا قدرتها على إدارة الملفات الكبرى بروح المسؤولية والتفاهم.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى