خاصأبرزرأي

لبنان إلى واشنطن بلا أوراق قوة

حسين زلغوط – خاص ـ “رأي سياسي”:

يدخل لبنان اليوم مرحلة شديدة التعقيد مع الجولة الثالثة من التفاوض مع إسرائيل في واشنطن، في لحظة تبدو فيها موازين القوى مختلة بصورة غير مسبوقة، وسط شعور داخلي متزايد بأن الدولة اللبنانية تذهب إلى طاولة المباحثات وهي تفتقر إلى عناصر الضغط الفعلية، فيما يمتلك الطرف الإسرائيلي هامشًا واسعًا للمناورة السياسية والعسكرية والأمنية.

فالمشهد اللبناني الحالي لا يشبه المراحل السابقة التي كان فيها لبنان قادرًا، ولو جزئيًا، على الاستناد إلى توازنات إقليمية أو أوراق داخلية تمنحه قدرة على تحسين شروطه التفاوضية. اليوم تبدو الصورة مختلفة تمامًا، فالجنوب يعيش تحت وطأة الدمار، والاقتصاد اللبناني يترنح، والانقسام السياسي الداخلي يضعف أي موقف تفاوضي موحد، فيما الضغوط الدولية تتزايد لدفع لبنان نحو ترتيبات أمنية وسياسية جديدة على الحدود مع إسرائيل.

وفي المقابل، تدخل إسرائيل المفاوضات من موقع القوة، فهي تعتبر أن التطورات العسكرية الأخيرة منحتها قدرة أكبر على فرض وقائع ميدانية جديدة، سواء عبر استمرار الضغوط العسكرية أو من خلال توسيع هامش مطالبها الأمنية المرتبطة بالحدود الجنوبية وواقع السلاح ودور القوات الدولية وآليات المراقبة. كما أن تل أبيب تدرك جيدًا حجم الأزمة اللبنانية الداخلية، وتعرف أن بيروت تحتاج بصورة ملحة إلى أي تهدئة تفتح الباب أمام إعادة الإعمار ووقف الاستنزاف الاقتصادي والأمني.

هذا الاختلال في موازين القوة يجعل المخاوف اللبنانية مشروعة من أن تتحول المفاوضات إلى مسار لفرض شروط أكثر منها عملية متكافئة لإنتاج تفاهمات متوازنة. فإسرائيل لا تخفي سعيها إلى الحصول على ضمانات أمنية بعيدة المدى، بينما يبدو لبنان عاجزًا حتى الآن عن بلورة استراتيجية تفاوضية واضحة تستند إلى عناصر قوة حقيقية أو إلى إجماع داخلي صلب.

فالأزمة لا تتعلق فقط بطبيعة التفاوض مع إسرائيل، بل أيضًا بالسؤال الأعمق المرتبط بصورة الدولة اللبنانية نفسها. فالدول التي تدخل مفاوضات مصيرية تحتاج عادة إلى اقتصاد متماسك، ومؤسسات مستقرة، وغطاء سياسي موحد، وتحالفات دولية فاعلة. أما لبنان، فيدخل هذه المرحلة وهو غارق في أزماته المالية والسياسية والإدارية، فيما سلطته التنفيذية تواجه تحديات هائلة تبدأ من إعادة ترميم الثقة الداخلية ولا تنتهي عند ضبط الانهيار الاقتصادي والاجتماعي.

ومع ذلك، فإن ضعف الأوراق اللبنانية لا يعني بالضرورة غياب القدرة على المناورة بالكامل، فلبنان لا يزال يمتلك بعض عناصر القوة المعنوية والسياسية المرتبطة بشرعية مطالبه السيادية وحقه في حماية أراضيه ووقف الاعتداءات المتكررة عليه. كما أن المجتمع الدولي، رغم انحيازه الواضح أحيانًا، يدرك أن أي استقرار طويل الأمد على الحدود الجنوبية يحتاج إلى حد أدنى من التوازن وعدم إذلال لبنان أو دفعه نحو انفجار داخلي جديد.

لكن التحدي الحقيقي يبقى في كيفية إدارة المرحلة المقبلة. فالمطلوب لبنانيًا ليس فقط الذهاب إلى واشنطن، بل الذهاب برؤية واضحة تحدد الخطوط الحمراء والمصالح الوطنية الأساسية، بعيدًا من الارتباك والانقسامات والمواقف المتناقضة. إذ إن أخطر ما يمكن أن يواجهه لبنان في هذه اللحظة ليس فقط قوة الطرف المقابل، بل أيضًا ضعف الجبهة الداخلية وتضارب الحسابات السياسية.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو المفاوضات المقبلة أكثر من مجرد نقاش تقني أو أمني. إنها اختبار لقدرة لبنان على حماية ما تبقى من موقعه السياسي والسيادي في منطقة تعاد صياغة توازناتها بسرعة، فيما العواصف الإقليمية الكبرى تضغط على الجميع لإنتاج خرائط جديدة وتحالفات جديدة وقواعد اشتباك جديدة.

لذلك، فإن ما يجري في واشنطن لن يكون تفصيلًا عابرًا في الحياة السياسية اللبنانية، بل محطة مفصلية قد تحدد شكل المرحلة المقبلة وحدود الخيارات المتاحة أمام دولة تجد نفسها اليوم أمام طاولة تفاوض صعبة، في زمن لا مكان فيه للضعفاء ولا هامش كبيرًا للأخطاء.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى