
حسين زلغوط, خاص ـ “رأي سياسي”:

لم يعد لبنان يقف عند هامش التحولات الكبرى التي تعيد رسم الشرق الأوسط كما في مراحل سابقة، بل بات في قلب لحظة سياسية وأمنية دقيقة ستحدد موقعه في الخريطة الجديدة التي تتشكل على وقع التسويات والصراعات المفتوحة معًا. فالأسابيع المقبلة تبدو حاسمة بالنسبة إلى لبنان، ليس فقط بسبب الحرب الإسرائيلية عليه، بل لأن البلاد تواجه اختبارًا سياسيًا يرتبط مباشرة بمسار التفاهمات الإقليمية، وبقدرة القوى الداخلية على التقاط المتغيرات قبل فوات الأوان.
في الكواليس السياسية، يسود اقتناع متزايد بأن المنطقة دخلت مرحلة إعادة ترتيب النفوذ والتوازنات، وأن لبنان سيكون من بين الساحات الأكثر تأثرًا بهذه التحولات. فالتقاطع الدولي والإقليمي حول ضرورة منع انفجار شامل في المنطقة لا يعني بالضرورة تحصين الساحة اللبنانية، بل قد يضعها أمام استحقاقات صعبة تتصل بمستقبل الحدود الجنوبية، ودور المقاومة، وشكل العلاقة بين الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي، إضافة إلى موقع لبنان في أي تسوية إقليمية مقبلة.
ويأتي الجنوب اللبناني في صلب هذا المشهد المعقد. فالمواجهات المستمرة، والغارات الإسرائيلية المتواصلة، وحالة الاستنزاف اليومية، كلها تؤشر إلى أن اتفاقات التهدئة القائمة ما تزال هشة وقابلة للانهيار في أي لحظة. ورغم محاولات احتواء التصعيد، فإن الواقع الميداني يكشف أن الحدود الجنوبية تحولت إلى جزء من معادلة الضغط المتبادل بين القوى الإقليمية والدولية، وأن أي تبدل في مسار التفاوض الإقليمي سينعكس مباشرة على الوضع الأمني في لبنان.
وفي موازاة ذلك، يراقب لبنان بحذر مسار المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية التي تشكل العنوان الأبرز في المرحلة الحالية. فهذه المفاوضات، سواء نجحت في إنتاج تفاهمات جديدة أو تعثرت مجددًا، ستترك آثارًا مباشرة على لبنان. إذ إن أي تقارب بين واشنطن وطهران قد يفتح الباب أمام تهدئة أوسع تشمل لبنان، فيما سيؤدي الفشل إلى رفع منسوب التوتر وتعزيز احتمالات المواجهة المفتوحة، خصوصًا في المناطق التي تشهد اشتباك نفوذ بين الطرفين.
وفي هذا السياق، يبدو لبنان كأنه ينتظر نتائج المفاوضات أكثر مما يصنع خياراته بنفسه. فالأزمة الداخلية العميقة، والانقسام السياسي الحاد، وغياب الرؤية الموحدة، كلها عوامل تجعل البلاد عاجزة عن بناء مقاربة مستقلة للتعامل مع المتغيرات الخارجية، وتضعف قدرة الدولة على الاستفادة من أي فرصة قد تنتج عن التسويات المقبلة.
لكن القلق لا يقتصر على الجانب الأمني فقط، بل يمتد إلى البعد الاقتصادي أيضًا، حيث يدرك لبنان أن أي استقرار مستقبلي لن يكون ممكنًا من دون مظلة إقليمية ودولية تسمح بإعادة ضخ المساعدات والاستثمارات. لكن هذا الدعم يبقى مشروطًا بإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإثبات قدرة السلطة على الالتزام بمسار سياسي واضح ينسجم مع التوازنات الجديدة في المنطقة، لا سيما في ما يخص بسط السيادة.
وفي ظل هذه الصورة، تبدو المرحلة المقبلة أشبه بامتحان مصيري للبنان. فإما أن ينجح في التكيف مع التحولات الجارية عبر تثبيت الاستقرار الداخلي وتخفيف حدة الانقسامات، وإما أن يتحول إلى ساحة إضافية لتصفية الحسابات الإقليمية. وبين الاحتمالين، تبقى المخاوف قائمة من أن يضيع لبنان مرة جديدة وسط صراع المحاور، فيما المنطقة بأسرها تتجه نحو ولادة شرق أوسط مختلف، تحكمه توازنات جديدة وقواعد اشتباك مغايرة لما كان قائمًا في السنوات الماضية.




