قمة مودي – تاكايتشي… شراكة جديدة في مواجهة صعود الصين

تمارا برو – الميادين:
لم تكن القمة بين مودي وتاكايتشي مجرد لقاء ثنائي يهدف إلى تعزيز العلاقات بين نيودلهي وطوكيو، بل جاء في لحظة تشهد فيها منطقة المحيطين الهندي والهادئ سباقًا محمومًا لإعادة رسم موازين القوى.
لم يكن انتخاب ساناي تاكايتشي رئيسةً لوزراء اليابان تطورًا مريحًا بالنسبة للصين، إذ انتهجت منذ وصولها إلى السلطة سياسة أكثر تشددًا تجاه بكين، تمثلت في تكثيف جولاتها الإقليمية لتعزيز الشراكات الأمنية والاستراتيجية مع دول المنطقة.
فقد شملت جولاتها هذا العام كوريا الجنوبية وفيتنام وأستراليا، كما استقبلت الرئيس الفيليبيني فرديناند ماركوس الابن، في إطار تعزيز التعاون الاقتصادي والأمن البحري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إلى جانب المضي في تحديث الاستراتيجية العسكرية اليابانية، بما يرسّخ قدرة طوكيو على مواجهة تصاعد النفوذ الصيني في المنطقة.
وفي الآونة الأخيرة زارت تاكايتشي الهند واجتمعت بنظيرها الهندي ناريندار مودي، وأسفرت القمة عن توقيع حزمة واسعة من الاتفاقيات شملت الذكاء الاصطناعي، وأمن الطاقة، والمعادن الحيوية، وأشباه الموصلات، والأمن الاقتصادي، إضافة إلى أول اتفاق للتطوير الدفاعي المشترك بين البلدين.
ولا تقتصر دلالات هذه الاتفاقيات على تعزيز التعاون الثنائي، وإنما تشير إلى إدراك مشترك بأن طبيعة المنافسة في آسيا تشهد تحولًا متسارعًا نحو التكنولوجيا وسلاسل الإمداد والموارد الاستراتيجية، وهي المجالات التي تسعى الصين إلى الحفاظ على تفوقها فيها.
وأكد الجانبان الهندي والياباني أهمية بناء سلاسل إمداد أكثر مرونة، وتقليل الاعتماد على المصادر المعرضة للتأثر بالتوترات الجيوسياسية. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن التنافس الدولي لم يعد يقتصر على القدرات العسكرية، بل بات يشمل التكنولوجيا المتقدمة، وأشباه الموصلات، والاقتصاد الرقمي، وتأمين الموارد الحيوية وسلاسل الإنتاج العالمية.
ولم تكن القمة بين مودي وتاكايتشي مجرد لقاء ثنائي يهدف إلى تعزيز العلاقات بين نيودلهي وطوكيو، بل جاء في لحظة تشهد فيها منطقة المحيطين الهندي والهادئ سباقًا محمومًا لإعادة رسم موازين القوى. ففي ظل تصاعد النفوذ الصيني وتزايد المنافسة الأميركية الصينية أصبحت الشراكة الهندية اليابانية إحدى الركائز الأساسية في الاستراتيجية الإقليمية الهادفة إلى الحفاظ على توازن القوى ومنع أي طرف من فرض هيمنته على المنطقة.
يأتي انعقاد القمة في ظل استمرار التوتر في العلاقات الصينية اليابانية، على خلفية تصريحات رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي العام الماضي بشأن تايوان، والتي أثارت غضب بكين ودفعتها إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات الاقتصادية ضد طوكيو. فمنذ كانون الثاني/يناير الماضي، شددت الصين الرقابة على صادرات المواد ذات الاستخدام المزدوج، المدنية والعسكرية، المتجهة إلى اليابان، بما في ذلك عدد من العناصر الأرضية النادرة التي تعد أساسية للصناعات اليابانية المتقدمة.
كما جاءت القمة في وقت تشهد فيه الأسواق الآسيوية اضطرابات حادة نتيجة إغلاق مضيق هرمز عقب العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، الأمر الذي دفع الهند واليابان إلى البحث عن بدائل أكثر استقرارًا لتأمين احتياجاتهما من الطاقة، نظرًا لاعتمادهما الكبير على واردات النفط والغاز من غرب آسيا. وقد انعكست هذه التطورات على الاقتصادين الياباني والهندي، إذ واجهت اليابان ضغوطًا تضخمية وارتفاعًا في تكاليف الواردات، بينما شهدت الهند زيادة ملحوظة في أسعار الغذاء والوقود والأسمدة، في حين أسهم تراجع قيمة الين والروبية في تعميق الضغوط الاقتصادية في البلدين.
وأظهرت أزمة مضيق هرمز أن أمن الطاقة لم يعد قضية اقتصادية فحسب، بل تحوّل إلى عنصر رئيسي في حسابات الأمن القومي، الأمر الذي يدفع الدول الآسيوية إلى تنويع طرق الإمداد ومصادرها لتقليل تعرّضها للصدمات الجيوسياسية.
وتزامن انعقاد القمة أيضًا مع تراجع مستوى الثقة لدى عدد من الحلفاء الآسيويين بالولايات المتحدة، نتيجة السياسات التي انتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه شركاء واشنطن ومواقفه المتقلبة، والتي شملت فرض رسوم جمركية، والضغط لزيادة الإنفاق الدفاعي، فضلًا عن المخاوف من إمكانية انتهاجه سياسة أكثر مرونة تجاه الصين.
ولا يعني ذلك تراجع أهمية الولايات المتحدة بالنسبة لحلفائها، بقدر ما يعكس اتجاهًا متزايدًا نحو بناء شراكات إقليمية تمنح الدول الآسيوية هامشًا أكبر من الاستقلالية في مواجهة التحولات المتسارعة في السياسة الأميركية.
ناهيك عن توسع النفوذ الصيني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ والتي أكدت القمة التزام البلدين برؤية منطقة حرة ومفتوحة في المحيطين الهندي والهادئ باعتباره الإطار الذي يحكم رؤيتهما للأمن والاستقرار الإقليميين.
كما جاءت القمة في وقت يشهد فيه التنسيق العسكري بين موسكو وبكين تصاعدًا ملحوظًا، بعد تنفيذ البلدين دوريات وتدريبات بحرية وجوية مشتركة في بحر اليابان وبحر الصين الشرقي، وهو ما عزز المخاوف لدى عدد من دول المنطقة من تشكل محور استراتيجي أكثر تماسكًا بين القوتين.
ورغم أن البيان الختامي للقمة اليابانية الهندية لم يتضمن مواقف تصعيدية مباشرة تجاه الصين، ولم يشر إليها بالاسم، فإن معظم الملفات التي ناقشها الجانبان حملت دلالات استراتيجية واضحة. فقد ركزت الاتفاقيات على تعزيز أمن سلاسل الإمداد، والتعاون في مجالات التكنولوجيا المتقدمة وأشباه الموصلات، وتوسيع الشراكة الدفاعية والأمنية، وهي جميعها ملفات ترتبط بصورة مباشرة بمحاولات تقليل الاعتماد على الصين وبناء منظومة اقتصادية وأمنية أكثر استقلالًا في آسيا.
ومن خلال الاتفاقيات الموقعة، سعت القمة إلى معالجة عدد من نقاط الضعف الاستراتيجية لدى البلدين. فاليابان، التي تعتمد بدرجة كبيرة على المعادن النادرة الآتية من الصين، تسعى إلى تنويع مصادر إمداداتها عبر إبرام اتفاقيات ثنائية والمشاركة في التحالفات الدولية الرامية إلى بناء سلاسل إمداد بديلة. وفي هذا السياق، استضافت الهند مؤخرًا اجتماع وزراء خارجية دول “الكواد”، الذي يضم اليابان، وأُطلقت مبادرات جديدة في مجالي أمن الطاقة وتأمين سلاسل إمداد المعادن الحيوية، بما ينسجم مع التوجه الياباني نحو تقليل الاعتماد على السوق الصينية.
ويكشف ذلك أن التحالفات الآسيوية لم تعد تركز على الردع العسكري وحده، بل باتت تمنح أولوية لبناء بنية اقتصادية وتقنية قادرة على الصمود أمام الأزمات والضغوط الخارجية.
وفي الوقت نفسه، أطلقت طوكيو خطة استثمارية ضخمة تستهدف ضخ 2.3 تريليون دولار من الاستثمارات العامة والخاصة بحلول عام 2040 ، وتستهدف دعم قطاعات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والفضاء، وهي القطاعات التي اتفق الجانبان الهندي والياباني على توسيع التعاون فيها.
في المقابل، لا تزال نيودلهي تعتمد بدرجة كبيرة على الصين في استيراد المكونات الصيدلانية الفعالة، وهو ما يجعل توطين الإنتاج والتصنيع المشترك أحد أهم أولوياتها الاستراتيجية، وهو ما تم الاتفاق عليه بالفعل في القمة. كما تطمح الهند إلى الاستفادة من الخبرة اليابانية المتقدمة في صناعة أشباه الموصلات، في ظل المكانة التي تحتلها اليابان عالميًا في هذا القطاع إذ تتصدر طوكيو قائمة الدول الرائدة في تصنيع أشباه الموصلات في العام 2026 بعدد 96 مصنعًا.
كذلك تكتسب الشراكة الدفاعية بين البلدين أهمية متزايدة بعد التعديلات التي أدخلتها اليابان على سياساتها الأمنية، والتي سمحت بتخفيف القيود المفروضة على تصدير المعدات الدفاعية والمشاركة في تطوير وإنتاج أنظمة عسكرية مشتركة مع الدول الصديقة. ومن شأن هذا التحول أن يفتح المجال أمام تعاون أوسع مع الهند في مجالات التصنيع الدفاعي ونقل التكنولوجيا، بما يتوافق مع مبادرة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي “صنع في الهند”، الهادفة إلى تطوير قاعدة صناعية دفاعية محلية وتقليل الاعتماد على الواردات العسكرية.
وتشير مجمل مخرجات القمة إلى أن الهند واليابان لا تسعيان إلى احتواء الصين عبر المواجهة المباشرة، وإنما من خلال بناء شبكة من الشراكات الاقتصادية والتكنولوجية والدفاعية التي تقلل تدريجياً من الاعتماد على بكين. ويعكس هذا النهج تحولاً في طبيعة المنافسة الإقليمية، حيث أصبحت القدرة على بناء سلاسل إمداد مرنة، وتطوير الصناعات المتقدمة، وضمان أمن الطاقة، أدوات لا تقل أهمية عن القوة العسكرية في رسم موازين القوى.
وعلى الرغم من أن هذه القمة عززت العلاقات الهندية اليابانية، إلا أن ذلك لا يعني إقامة تحالف عسكري بينهما. فالهند تسعى إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الكبرى بما فيها روسيا والصين. وأظهرت القمة أن نيودلهي وطوكيو تتجهان نحو تنسيق أكبر في الملفات الاقتصادية والأمنية بما يعزز قدرتهما على التأثير في مستقبل النظام الإقليمي.
أما بكين، فتراقب هذا التقارب بحذر، إذ تنظر إليه بوصفه موجهًا بالدرجة الأولى لاحتواء نفوذها في المنطقة. وقد يدفعها ذلك إلى تعميق تعاونها مع روسيا وكوريا الشمالية، وتوسيع حضورها الاقتصادي في جنوب آسيا، للحفاظ على نفوذها ومنع تشكل بيئة إستراتيجية معاكسة لمصالحها.
في المحصلة، لا تمثل قمة مودي– تاكايتشي مجرد محطة جديدة في العلاقات الهندية اليابانية، بل تعكس تحولاً أوسع في البيئة الإستراتيجية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ. فالتنافس لم يعد يدور حول التحالفات العسكرية وحدها، وإنما أصبح يشمل التكنولوجيا، وأمن الطاقة، والمعادن الحيوية، وسلاسل الإمداد، وهي المجالات التي ستحدد مستقبل ميزان القوى في آسيا خلال السنوات المقبلة. ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى القمة باعتبارها خطوة إضافية نحو إعادة تشكيل النظام الإقليمي، في مواجهة صعود الصين من دون الانزلاق إلى المواجهة المباشرة.



