رأي

قضايا العرب حاضرة.. إسرائيل تخسر أمريكا اللاتينية

عبير الفقيه – الجزيرة:

منذ اندلاع “طوفان الأقصى” في نهاية عام 2023، وتسارع تداعياته، أصبح الخطاب السياسي في كل الحملات الانتخابية في أمريكا اللاتينية يطرح قطبية صارخة، إما الاستمرار في الدعم اللامشروط للحكومة الإسرائيلية، رغم الجرائم الصادمة التي اقترفتها، أو كسر قيود هذا الاصطفاف التاريخي والجهر بحق الفلسطينيين في الدفاع عن الوجود والأرض.

ولم ينحصر هذا الانقسام في خطاب النخبة السياسية، بل إن الشارع اللاتيني وحتى ملاعب كرة القدم، أصبحت ساحة لصدى الحرب التي تشهدها غزة وما جاورها، وصولا إلى إيران وبلدان الخليج العربي.

قبل هذا التاريخ الفاصل في معركة وعي الشعوب تجاه القضية الفلسطينية وقضايا العرب عموما والحرب على إيران مؤخرا، كان الجدل العام في منطقة أمريكا اللاتينية متأثرا بشكل كبير بالرواية التي أجادت نسجها ترسانات الإعلام الغربي، والأمريكي في المقام الأول.

فكانت هذه القضايا المذكورة، لدى عامة اللاتينيين، باستثناء جانب من النخبة، مجرد أخبار ثانوية لخبر يقين يرسخ أن إسرائيل في معركة وجودية لاستعادة أرض مقدسة امتثالا لأوامر ربانية، وما هؤلاء المقاومون الفلسطينيون سوى “إرهابيين” ومتوحشين يعطلون تحقيق الوعد الإلهي، الذي تضحي إسرائيل بالغالي والنفيس من أجل بلوغه.

لكن تهاطل مقاطع الفيديو والتحليلات من خارج مدار وسائل الإعلام التقليدية، وزخم المعلومات والقراءات غير المسبوقة التي احتضنتها شبكات التواصل الاجتماعي، زلزلت بنيان الرواية الأمريكية الصلبة الجاثمة على عقول وقلوب العامة، وأصبح مجرد سماح أحدهم بسماع الرأي الآخر، أمرا جديدا يمكن إدراجه في خانة التمرد على قناعات الوعي الجمعي.

ومع ارتفاع وتيرة الجرائم من الجانب الإسرائيلي واتساع فجوة اقترافها بين جانبي الصراع، خرج الجدل القائم حول هذه القضية الشائكة، من الساحة الافتراضية والاجتماعات الضيقة، إلى فضاءات أوسع ليمثل موضوع نقاش في وسائل الإعلام المحلية وفي الشارع اللاتيني، لا سيما مع تسارع الحراك في الشارع الأوروبي والأمريكي على وجه الخصوص، وانهيار روايات المظلومية الزائفة التي أتقنت نشرها الصهيونية العالمية، وترسيخها في عقول الغربيين، وبشكل أسهل لدى سكان نصف القارة النائية غربا.

لم ينحصر هذا الانقسام في خطاب النخبة السياسية، بل إن الشارع اللاتيني وحتى ملاعب كرة القدم، أصبحت ساحة لصدى الحرب التي تشهدها غزة وما جاورها، وصولا إلى إيران وبلدان الخليج العربي

ولم يتأخر الأمر طويلا، لزعزعة تلك الروايات، حيث تزامن اندلاع أحداث “طوفان الأقصى” مع الحملة الانتخابية الثانية للأرجنتين، وفوز مرشحها اليميني خافيير ميلي بالرئاسة، ليكون ذلك الحدث المثير للجدل، عنوان حملة انتقاد دولي للأرجنتين، وامتعاض واستنكار لانتخابها رئيسا يفتخر بكونه أكبر داعم للصهيونية.

إعلان
وزادت هذه الحملة زخما مع فشل ميلي في تحقيق وعوده الانتخابية، وعجزه مع حكومته عن منح الأرجنتينيين جرعة أكسجين واحدة لإيقاف نزيف الخسائر الاقتصادية والأزمات الاجتماعية الخانقة.

في المقابل، تفرغ الرئيس ميلي للاستمرار في خطاب دعمه لتل أبيب وواشنطن في كل معاركهما المفتوحة، بشكل جعل جزءا كبيرا من ناخبيه يعبرون عن ندمهم على التصويت له، وعن مغادرتهم مربع الدعم اللامشروط لإسرائيل في حربها على الفلسطينيين.

وقبل الأرجنتين وبعدها، عاشت بلدان أخرى في المنطقة خلال عامي 2024 و2025 انتخابات رئاسية وتشريعية كانت بدورها مسرحا للجدل القائم بشأن إسرائيل وفلسطين وإيران، كمواضيع حاضرة في النقاش الانتخابي، ومطالبات من قبل الناخبين للتعرف على ملامح السياسة الخارجية للمرشحين في حال فوزهم، مع تراجع موضوع أوكرانيا وروسيا بشكل لافت للانتباه.

وبعيدا عن نتائج الانتخابات التي صبت كلها تقريبا في مصلحة تل أبيب والبيت الأبيض، فإن التحولات التي طرأت على خريطة توزيع الاصطفاف مع الجانب الإسرائيلي لدى الرأي العام اللاتيني، أثبتت تآكل الفكرة لدى البعض، وأكدت أن عدد المتعاطفين مع إسرائيل قد تراجع مع تزايد وتيرة الجرائم التي يمارسها الجانب الإسرائيلي على الفلسطينيين، وتضاعف وحشيتها.

في حين أن حجم المتعاطفين مع الفلسطينيين في القضية بأسرها، لم يسجل “مرتدين” أعربوا عن انتقالهم إلى الصف المقابل، رغم كل حملات الشيطنة الممنهجة لأهل غزة والفلسطينيين بشكل عام، لا سيما عبر الترهيب باسم “حماس” وروايات “الاضطهاد الذكوري” و”اغتصاب النساء والقاصرات”، مما تردده حتى اليوم السفارات الإسرائيلية في المنطقة.

لعل أوضح تعبير عن انتقال المعركة السياسية إلى ملاعب الكرة، هو أن خسارة الفريق الأرجنتيني أمام الفريق الإسباني في نهائيات كأس العالم، تم تناولها من قبل العديدين من شعوب أمريكا اللاتينية، على أنها حملة تشفٍّ في التغيير السياسي الذي طرأ على الأرجنتين

والجديد في الأمر أن الحرب على إيران أيضا خضعت لنفس منطق مراجعة الموقف من إسرائيل، واختصر أغلب الرأي العام المعركة، في أنها امتداد لمشروع إسرائيل التوسعي في المنطقة، وسعيها لتصفية الخطر الإيراني عليها، وذلك بدعم لامشروط من الولايات المتحدة.

وترسخ هذا الرأي بمحطتين بارزتين في الحرب، وهما خريطة “إسرائيل الكبرى”التي كشفت عن أطماعها في المنطقة، وأن إضعافها، لا سيما في ملف الطاقة، يعزز مكانة إسرائيل كقوة إقليمية مهيمنة في المنطقة، بما يجعل الحرب عليها “اعتداء أحادي الجانب” في نظرهم.

وكذلك القصف الأمريكي على المدرسة الابتدائية للبنات في مدينة ميناب جنوبي إيران والذي أسفر عن مقتل ما يقارب 180 تلميذة، كشف أن الحرب على إيران لم تلتزم بتنفيذ وعود إستهداف النظام، وإنما استهدفت أطفالا أبرياء، تماما مثلما تفعل إسرائيل في حق أطفال فلسطين ولبنان.

ولم تنحصر مواقف اللاتينيين من القضايا الحارقة في الشرق في ساحات السباق الانتخابي، بل أنها امتدت إلى ملاعب كرة القدم كما شاهدنا بعض ملامحها جميعا في بطولة كأس العالم الأخيرة؛ حيث التزمت بعض الجماهير برفع العلم الإسرائيلي مثلا، لا سيما في مباريات الفريق الأرجنتيني، في المقابل، أصرت بعض الجماهير الأخرى، لا سيما المكسيكية والكولومبية على رفع العلم الفلسطيني أو الكوفية كرمز تضامن إنساني.

إعلان
وزادت تصريحات بعض المشاهير من زخم هذا التضامن، وعلى رأسها تصريحات الممثل الإسباني الشهير والمقيم في ميامي بالولايات المتحدة، خافيير بارديم، الذي صنفه يهود الأرجنتين على رأس قائمة “العداء العالمية للأرجنتين” التي أعقبت نهائيات كأس العالم لكرة القدم.

ولعل أوضح تعبير عن انتقال المعركة السياسية إلى ملاعب الكرة، هو أن خسارة الفريق الأرجنتيني أمام الفريق الإسباني في نهائيات كأس العالم، تم تناولها من قبل العديدين من شعوب أمريكا اللاتينية، على أنها حملة تشفٍّ في التغيير السياسي الذي طرأ على الأرجنتين كبلد تحكمها شخصية برمزية خافيير ميلي.

إن التحولات التي طرأت على خريطة توزيع الاصطفاف مع الجانب الإسرائيلي لدى الرأي العام اللاتيني، أثبتت تآكل الفكرة لدى البعض، وأكدت أن عدد المتعاطفين مع إسرائيل قد تراجع مع تزايد وتيرة الجرائم التي يمارسها الجانب الإسرائيلي على الفلسطينيين

وقد لخص الإعلامي الأرجنتيني اليهودي آري ليخالاد هذا المشهد بالمقاربة التالية، حيث تساءل: لمَ الاستغراب من حملة الشماتة العالمية في الفريق الأرجنتيني ومن ليونيل ميسي بالذات في المونديال الأخير؟ ألم يكن كل العالم صديقنا واحتفل بفوزنا في مونديال قطر؟ علينا أن نواجه أنفسنا بأن المتغير منذ ذلك الوقت، باختصار، هو وصول خافيير ميلي إلى السلطة، وانكشاف شخصيته للعالم، وبدرجة أقل انضمام ميسي إلى فريق إنتر ميامي في عام 2023.

ولم يخف ليخالاد في تصريحه هذا، تحميله مسؤولية المس بصورة الأرجنتين واستنكار اصطفافها اللامشروط مع تل أبيب والبيت الأبيض على حساب مصلحة البلاد، للرئيس ميلي.

على الجانب الآخر، تزيد الفجوة اتساعا بين الصحوة النوعية لدى الرأي العام اللاتيني مع تطورات حرب إسرائيل على غزة وعلى إيران، وتتالي فوز حلفاء تل أبيب في انتخابات الإكوادور وبنما وبوليفيا وباراغواي وهندوراس وكوستاريكا وتشيلي وكولومبيا وبيرو مؤخرا، وسط تشكيك خطير بالتدخل الإسرائيلي في خوارزميات العمليات الانتخابية، لا سيما في كولومبيا وبيرو.

ورغم نتائج استطلاعات الرأي المؤكدة لوجود فارق مريح جدا في انتخابات البرازيل القريبة، لصالح الرئيس الحالي دا سيلفا أمام المرشح اليميني المتطرف فلافيو بولسونارو، وارتفاع شعبية الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم، بدأت موجات التشاؤم من حصول مفاجآت على الوضع الكولومبي، تسري في نقاشات العامة؛ خوفا من التدخل الإسرائيلي والأمريكي.

ومقابل ارتفاع حجم هذه المخاوف، تمضي إسرائيل في حصاد نجاحاتها بفوز حلفائها في رئاسيات نصف القارة الأمريكية الجنوبي، وسط أخبار تشير إلى زيارة مرتقبة لوزير خارجيتها جدعون ساعر إلى عدد من بلدان المنطقة، تبدأ بمشاركته في حفل تنصيب رئيس كولومبيا المنتخب أبيلاردو دي لا إسبريا نهاية الأسبوع الجاري.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى