رأي

سوريا 2026: فن إدارة الهشاشة

علي قاسم – العرب:

سوريا 2026 ليست نجاحاً ولا إخفاقاً، بل مشروع دولة يسير على جمر الضغوط الداخلية من داعش والخارجية من تقاطعات القوى الإقليمية والدولية.

في الأسبوع الأخير من يونيو 2026، افتتحت صحيفة داعش الأسبوعية عددها بعنوان لافت: “مجلس الشرك”. لم يكن الهجوم موجّهاً ضد حكومة أجنبية أو قوة احتلال غربية، بل كان موجّهاً صراحةً ضد أحمد الشرع، الرجل الذي يقود اليوم سوريا في أكثر مراحلها دقةً وهشاشةً منذ عقود. الافتتاحية طعنت في شرعية مجلس الشعب السوري الذي شكّله الشرع، معتبرةً أن إنشاء هيئة تشريعية يعود فيها للبشر سلطةُ سنّ القوانين هو “خروج عن الإسلام”. وكان من بين ما أثار حنق التنظيم وحلفائه تعيينُ الممثلة روزينا لاذقاني في المجلس، وهو ما عدّه هؤلاء دليلاً دامغاً على أن الشرع يبني “نموذجاً مدنياً وضعياً” لا دولة خلافة.

ما يجعل هذا الهجوم أكثر من مجرد دعاية إعلامية هو توقيته وسياقه المزدوج: إذ يتزامن مع تصعيد ميداني ملحوظ لعمليات إرهابية في مناطق عدة من سوريا. والهدف من وراء هذا الجمع بين السلاح الإعلامي والعمليات الميدانية واضح في منطقه الاستراتيجي. إنها حرب على الشرعية قبل أن تكون حرباً على الأرض، وهي على وجه التحديد أشد أنواع الحروب خطورةً على دولة في طور البناء.

هذه الأحداث تُضيء على المأزق البنيوي الذي تواجهه سوريا 2026 بأكثر من أي تقرير تحليلي جاف: دولة تحاول أن تُبني نفسها بأدوات الدولة الحديثة، في بيئة لا تزال فيها الهشاشة المؤسسية تمنح المتطرفين هامش العمل الذي تحتاجه.

حين وصف أحد المحللين السوريين المشهد الراهن في بلاده بأنه “حالة وسطى دقيقة تتأرجح بين الانفجار والاستقرار”، لم يكن يُبالغ في الصياغة بل كان يُلخّص بدقة نادرة معادلة الحكم. فسوريا اليوم ليست في حرب مفتوحة ولا في سلام مستقر، ليست دولة فاشلة ولا دولة ناجحة. إنها في تلك المنطقة الرمادية التي تكون فيها الإنجازات حقيقية لكن هشة، والتحديات ضخمة لكن قابلة للاحتواء، والمسار ممكن لكن غير مضمون.

ما أنجزه الشرع في الأشهر السبعة عشر الأولى يستحق قراءة موضوعية. على صعيد السياسة الخارجية، حقق ما كان يبدو مستحيلاً: إلغاء قانون قيصر، ورفع معظم العقوبات الأميركية والأوروبية، وانتزاع شرعية دولية تجلّت في استقباله في البيت الأبيض والإليزيه وداونينغ ستريت وعواصم الخليج. وعلى الصعيد الاقتصادي، افتُتح معبر اليعربية مع العراق، وبات الاستثمار الخليجي في سوريا حديثاً جدياً لا مجرد تمنيات دبلوماسية. كذلك أصبحت سوريا عضواً في التحالف الدولي ضد داعش، وهو تحوّل رمزي لافت يُعبّر عن انتقال دمشق من دولة مارقة إلى شريك في المنظومة الأمنية الغربية.

لكن الشرعية الدولية لا تحمي من جماعة مسلحة تعمل خارج منطق الدولة وتستهدف عناصر الجيش. والثقة الدولية لا تُغني عن ضبط الأرض، والاعتراف الدولي لا ينهي الخطر الداعشي.

ما يُميّز الهجوم الأخير هو توظيف نقطة ضعف حقيقية في المشهد السوري. فتشكيل مجلس الشعب أثار جدلاً واسعاً حتى خارج دوائر التنظيم: بعض الأسماء المختارة استدعت تساؤلات جدية عن معايير الاختيار، والمنهجية التي اعتمدها الشرع شخصياً ولجان تابعة له أثارت نقاشات حول غياب التمثيل التشاركي الحقيقي. ولم تفت داعش الفرصة لاستغلال هذا الجدل وإعادة تأطيره في خطاب تكفيري يُحوّل نقاشاً مؤسسياً مشروعاً إلى اتهام بالردة.

ما يُميّز نهج الشرع في إدارة الهشاشة هو الرهان على التدرج والانتقائية في المعارك فهو لا يُحسم الملفات العسيرة قسراً بل يُديرها بصبر يبدو أحياناً تردداً وأحياناً حكمة

هذه هي الاستراتيجية الداعشية؛ استغلال النقاشات الداخلية الحقيقية وتضخيمها في إطار أيديولوجي يجعل الإصلاح نفسه يبدو خيانةً للدين. وخطورة هذه الاستراتيجية أنها لا تحتاج إلى انتصارات ميدانية كبرى لتُؤثّر: يكفيها إضعاف الثقة الداخلية في مشروعية مؤسسات الدولة الجديدة، وإثارة بلبلة في صفوف الجيش الذي يضم عناصر ذات خلفيات متعددة.

الأحداث الأخيرة لا تُقرأ معزولة عن المحيط الأمني الأشمل. سوريا تعيش في جوار حروب لا تخوضها: توترات جنوبية مع إسرائيل، وملف قسد المعلق في الشمال الشرقي، وغياب شبه كامل لسيطرة الدولة على أجزاء واسعة. هذا التشتت الأمني يجعل التعامل مع داعش تحدياً يستنزف موارد في وقت تحتاج فيه سوريا كل طاقتها لمشاريع إعادة البناء الاقتصادي.

المفاوضات مع إسرائيل “تجري بصعوبة شديدة”، وهو توصيف يُترجم على الأرض إلى احتلال إسرائيلي مستمر لمناطق في الجنوب دون أن يملك الشرع أوراق ضغط كافية. وفي البادية، تصعد جماعات مسلحة عملياتها مستفيدة من كل هذا التشتت.

المفارقة هي أن انتساب سوريا إلى التحالف الدولي ضد داعش يمنح الشرع أوراق اعتماد دولية قيّمة، لكنه في الوقت ذاته يُثبّت شرعية الهجوم الأيديولوجي الداعشي: فهو يُقاتل إلى جانب الغرب ضد تنظيم يدّعي الإسلام، وهذا بالضبط ما يستغله التنظيم في دعايته.

قرار تشكيل مجلس الشعب يحمل في طياته رهاناً استراتيجياً كبيراً. فالشرع يُراهن على أن بناء مؤسسات دستورية، حتى وإن جاءت منقوصة في بداياتها، يُرسّخ مبدأ الدولة في وجه من يرفضها رفضاً وجودياً. اختيار ممثلة للمجلس، وإن أثار ضجيجاً، هو في المنطق الشرعي للدولة الحديثة خطوة نحو التمثيل المتنوع التي لا تستوعبها أيديولوجيا الخلافة.

لكن هذا الرهان يستلزم أن تتحمّل الدولة كلفة الجدل في مرحلة لا تزال فيها هشّة. وهنا يكمن التوتر الأساسي: كل خطوة نحو الدولة المدنية الحديثة هي في الوقت ذاته ذخيرة في يد داعش لتصوير هذه الخطوة خيانة للمشروع الإسلامي. المعادلة التي يواجهها الشرع إذن ليست بين الإصلاح والجمود، بل بين إصلاح يستدعي عداءً وجمود يُضعف شرعية الدولة أمام مواطنيها.

لا يمكن قراءة الهجوم الداعشي على سوريا الجديدة بمعزل عن السياق الاقتصادي. فالتجنيد في صفوف التنظيم لم يكن يوماً خطاباً وحسب، بل اغتنم دائماً الفقر وغياب الأفق الاقتصادي. وسوريا 2026 لا تزال تُعاني من بنية تحتية مدمّرة وقطاع طاقة يعمل بطاقة جزئية ومؤسسات مالية تُعيد بناء نفسها.

رفع العقوبات يفتح الباب تقنياً لتدفق الاستثمارات، لكنه لا يعني انهمارها تلقائياً. المستثمر الجاد يحتاج إلى مؤشرات أمنية مستقرة قبل أن يُعبّر عن نواياه الاستثمارية بأرقام حقيقية. وكل عملية داعشية ناجحة تُرسل رسالة سلبية إلى المستثمر المحتمل تفوق في أثرها عشرة تصريحات إيجابية عن الانفتاح الاقتصادي.

التاريخ سيحكم على ما إذا كانت إدارة الهشاشة كافية لتُنتج دولة والإجابة ستُكتب في المصانع التي لم تُبنَ بعد قبل أن تُكتب في القاعات الدبلوماسية الكبرى

مليون سوري لقوا حتفهم وعشرة ملايين خارج البلاد. هؤلاء لن يعودوا إلا حين يروا أن ثمة اقتصاداً يستوعبهم وأمناً يحمي استثمارهم في العودة. وأكثر من خمسمائة وتسعين ألفاً عادوا من لبنان منذ يناير 2025، لكنهم عادوا إلى وطن لا يزال يعيد تركيب نفسه. إبقاؤهم متمسكين بعودتهم وعدم دفعهم نحو خيبة الأمل هو في حد ذاته إنجاز أمني لا يقل أهمية عن أي عملية عسكرية ضد داعش.

ما يُميّز نهج الشرع في إدارة هذه الهشاشة هو الرهان على التدرج والانتقائية في المعارك. فهو لا يُحسم الملفات العسيرة قسراً، بل يُديرها بصبر يبدو أحياناً تردداً وأحياناً حكمة، ويُراكم الشرعية الخارجية كورقة ضغط على الداخل الصعب والمحيط الإقليمي المعقد.

لكن إدارة الهشاشة لها حدود زمنية: يمكنها أن تمنع الانهيار لكنها لا تبني الصلابة. والصلابة تستلزم ثلاثة أشياء: مؤسسات أمنية قادرة على السيطرة الكاملة على الأرض، واقتصاد يُنتج فرصاً تجفّف مصادر التجنيد، وخطاب هوية وطني يُقنع المتشككين داخل الجيش بأن ما يحمونه يستحق الحماية.

الشرع يعرف أن الاختبار الحقيقي لمشروعه ليس في قاعات الاستقبال الدولية بل في البادية السورية، وفي ثكنات الجيش.

سوريا 2026 ليست نجاحاً يُحتفى به ولا إخفاقاً يُستنكر. هي مشروع دولة يسير على جمر الضغوط المتراكمة، من الداخل حيث يُحاول داعش اختراق مؤسساتها الجديدة، ومن الخارج حيث تتشابك الضغوط الإقليمية والدولية.

الدولة الحديثة تُبنى بمؤسسات لا تقبلها كل الأطراف، وهذا الرفض نفسه يغذّي التطرف الذي يُهدد هذه المؤسسات. الخروج من هذه الحلقة يستلزم بناء صلابة مؤسسية وأمنية واقتصادية تجعل الرفض هامشياً، لا مجرد إدارة الهشاشة التي تُبقيه محتملاً.

التاريخ سيحكم على ما إذا كانت إدارة الهشاشة كافية لتُنتج دولة. والإجابة ستُكتب في المصانع التي لم تُبنَ بعد قبل أن تُكتب في القاعات الدبلوماسية الكبرى.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى