رأي

دمشق على طريق التجارة الإقليمية

كيف يمكن لسوريا الاستفادة من اقتصاد ما بعد هرمز؟

جيسي ماركس, نيكولاس لايل – اندبندنت عربية:

تسعى سوريا إلى استعادة موقعها كممر تجاري استراتيجي يربط الخليج بالبحر المتوسط، مستفيدة من اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز وتدفق الاستثمارات الأجنبية. لكن هذه الفرصة تحمل أخطاراً موازية، من تنامي النفوذ الخارجي واحتدام التنافس الإقليمي إلى تركّز السلطة والثروة، مما يجعل نجاحها رهناً ببناء مؤسسات فاعلة وتوزيع عوائد التعافي بعدالة.

في مطلع أبريل (نيسان) الماضي عبرت قافلة تضم 299 صهريج وقود عراقياً عبر الأراضي السورية في طريقها إلى مرفأ بانياس المتوسطي، الذي يعد من أحد الطرق القليلة المتبقية للوصول إلى الأسواق العالمية في ظل إغلاق مضيق هرمز. وكانت هذه المرة الأولى التي يعبر فيها النفط العراقي الأراضي السورية قانونياً منذ عام 2003، حين أدى الغزو الأميركي للعراق عملياً إلى وقف تدفق النفط عبر الحدود من العراق إلى سوريا. وفي أواخر أبريل (نيسان)، قام العراق بتوسعة الطريق وأعاد فتح معبر ربيعة الشمالي بينه وبين سوريا، المعبر الذي بقي مغلقاً لأكثر من عقد خلال الحرب الأهلية السورية. وفي السياق عينه، بالفترة ما بين أبريل (نيسان) وأواخر يوليو (تموز)، شحن أكثر من 2.1 مليون طن متري من الوقود العراقي إلى الساحل السوري.

قبل اندلاع الحرب الأهلية السورية عام 2011، كانت سوريا تمثل ملتقى تجارياً بين العراق والأردن ولبنان وتركيا والبحر المتوسط، وتربط دول الخليج بالأسواق الأوروبية. لكن بعد عام 2011، تحولت سوريا إلى نوع مختلف من مراكز العبور. فقد هيمنت على حركة التجارة الأسلحة الإيرانية والإمدادات اللوجستية في طريقها إلى “حزب الله” في لبنان، إلى جانب الوقود والمخدرات وغيرها من الأنشطة غير المشروعة، التي كانت تدر الأموال على نظام الديكتاتور بشار الأسد، من دون أن تحقق للسوريين سوى القليل من الفوائد.

وبعد أن قامت “هيئة تحرير الشام”، الجماعة المسلحة التي كان يقودها الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، بالإطاحة بنظام الأسد في أواخر العام 2024، بدأت حركة التجارة الإقليمية تنشط من جديد. وبحلول شهر أغسطس (آب) الماضي، وفق تقديرات إدارة الجمارك السورية، عبر إلى سوريا قرابة 327 ألف شاحنة محملة بأكثر من 7 ملايين طن من البضائع. وبدأ كل من الأردن وقطر والمملكة العربية السعودية وتركيا، بتطبيع العلاقات مع سوريا وممارسة الأعمال التجارية معها. وقد تحركت السلطات السورية الجديدة في دمشق بسرعة لاستعادة وترميم روابط البلاد بمجموعة كبيرة من الشركاء الإقليميين والدوليين، وذلك بهدف إنهاء عزلة سوريا الاقتصادية. لكن هذا الأمر رغم أهميته، يبقى غير كاف لإعادة إعمار البلاد بعد الحرب الأهلية التي دامت أكثر من عقد. إذ قدر البنك الدولي عام 2025 أن تكلفة إعادة إعمار سوريا ستبلغ 216 مليار دولار، أي قرابة 10 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي السوري المتوقع عام 2024.

الصراع المقبل على سوريا
ويعمل قادة سوريا راهناً على تهيئة البلاد للاستفادة من تجدد الاضطرابات في الإقليم. فمنذ اندلاع الحرب الإيرانية في أواخر فبراير (شباط) الماضي، تزايدت فرص الاستثمار الأجنبي الجديدة في سوريا. ولأن التحالف مع الولايات المتحدة وإسرائيل والاعتماد على مضيق هرمز يطرحان أخطار انتقام إيرانية متزايدة، تقوم بلدان عديدة بالتوجه إلى سوريا التي لديها العديد من الطرق والمنافذ البرية والبحرية ذات المواقع الجيدة. وفي هذا الإطار تستغل السلطات السورية التدفق المحتمل لرأس المال وحركة التجارة بغية خلق مصدر جديد للإيرادات، مما يسمح للدولة بتبديل صورة سوريا من مصدر اللاجئين والإرهاب والاضطرابات الإقليمية، إلى قوة معابر ومنافذ تلعب دوراً كبيراً في خارطة التواصل الإقليمي. إلا أن سرعة حركة الاستثمارات وحجمها قد يفوقان قدرة المؤسسات اللازمة لإدارتها. وإن لم يجر التدقيق فيها بالطرق السليمة، أو إن لم توزع على نحو عادل ومتوازن، فإن اندفاعة الاستثمارات الجديدة التي تبدو راهناً واعدة للغاية، قد تؤدي إلى زعزعة مسار التعافي الهش الذي تعيشه البلاد.

صدمات ارتدادية
ليست الحاجة إلى تحسين مسارات العبور في الشرق الأوسط وتنويعها بالأمر الجديد، لكن الحرب الأهلية السورية جعلت المرور عبر البلاد مستحيلاً لنحو 15 عاماً. ففي عام 2009، بدأت الحكومتان السعودية والتركية مباحثات لإعادة تطوير مسار سكة حديد الحجاز، التي أنشأتها الدولة العثمانية ودُمرت أجزاء كبيرة منها خلال الحرب العالمية الأولى، لكن الخطط أُجهضت مع اندلاع الحرب الأهلية السورية. وبين عامي 2010 و2021، تراجعت الصادرات السورية بنحو 90 في المئة. وأُغلقت تماماً طرق العبور الرئيسة التي تمر عبر البلاد، مع تفكك الدولة إلى مناطق نفوذ متنافسة. وفي عام 2023، اقترحت الهند والسعودية والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة وشركاء أوروبيون إنشاء “الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا”، بهدف تعزيز الترابط داخل المنطقة وبين أقاليمها، ودمج إسرائيل، باعتبارها إحدى نقاط هذا الممر، مع دول الجوار.

وقد جعل اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز توسيع هذه المشاريع أكثر إلحاحاً. ففي شهري أبريل (نيسان) ويونيو (حزيران) من هذا العام اتفقت حكومات الأردن والسعودية وسوريا وتركيا على إعادة تطوير سكة حديد الحجاز خلال فترة تتراوح بين ثلاثة وأربعة أعوام. وقدرت تحليلات تناولت خطوط قطار إقليمية مشابهة، كتلك التي أجراها “مجلس الأطلسي”، أن خط السكة هذا يمكنه بداية أن ينقل نحو 1.5 مليون حاوية سنوياً، مع احتمال أن يرتفع عدد الحاويات إلى 3 ملايين إن جرت زيادة عرض الخط وقدرات استيعاب المرافق.

ويتقاطع هذا المشروع مع التصور الفضفاض الذي طرحه الشرع خلال قمة أوروبية – شرق أوسطية غير رسمية في أبريل (نيسان)، والقائم على مبادرة “البحار الأربعة والممرات التسعة”، التي تضع سوريا في قلب شبكة تربط الخليج العربي وبحر قزوين والبحر الأسود والبحر المتوسط، وتتيح حركة التجارة البرية والبحرية للسلع والكهرباء والنفط.

وفي يوليو (تموز)، اتفق العراق وسوريا على إعادة تأهيل خط أنابيب نفط كركوك – بانياس، الذي دمر عام 2003 خلال الغزو الأميركي للعراق، وذلك لخلق منفذ دائم للنفط العراقي عبر البحر المتوسط. وإن جرى تشغيل خط الأنابيب المذكور خلال الجدول الزمني المقدر بأربعة أعوام، سيمكنه نقل مليوني برميل يومياً بحلول العام 2030، أي ما يعادل تقريباً 60 في المئة من صادرات العراق من النفط الخام قبل الحرب الإيرانية الأخيرة، وما يقدر بتسعة في المئة من إجمالي كميات النفط المنقولة عبر مضيق هرمز. ومع التخطيط أيضاً لإنشاء ممرات وطرق جديدة عبر تركيا، غدا العراق في وضع يمكنه من توجيه أكثر من 80 في المئة من حجم صادراته بعيداً عن هرمز، مما ينهي اعتماده شبه الكامل على محطات التصدير الخليجية.

لكن هذه الاتجاهات لا تضمن بالضرورة تحسناً في الأوضاع الاقتصادية والسياسية للسوريين. صحيح أن الموقع الجغرافي لسوريا يمنحها أوراق قوة جيوسياسية في مواجهة أطراف أجنبية تسعى إلى تنويع طرق تصديرها، لكنه يضعها في الوقت نفسه وسط تنافسات آخذة في التشكل، مع تقارب سعودي – تركي في المجال الأمني، واضطلاع الإمارات بدور تجاري متزايد في الموانئ والخدمات اللوجستية، وسعي إسرائيل إلى منع تركيا من ترسيخ نفوذ لها قرب حدودها. وقد يؤدي التنافس على تمويل هذه الممرات وتشغيلها وحمايتها إلى جر سوريا إلى صراعات لا تزال مؤسساتها وأوضاعها الداخلية أضعف من أن تتحملها.

وقد حاولت دمشق في هذا السياق الحد من انكشافها ذاك عبر العمل تقريباً مع مختلف القوى الراغبة في دعم إعادة إدماجها وأعمارها، من بينها قطر والمملكة العربية السعودية وتركيا والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة، إضافة إلى الصين وروسيا. لكن هذه الاستراتيجية ازدادت صعوبة مع مرور الوقت. فنفوذ أكبر الداعمين الماليين لسوريا يدفع دمشق تدريجاً نحو محور قطري – سعودي – تركي. وإذا نما التنافس على الممرات بوتيرة أسرع من قدرة سوريا على إدارته، فقد تجد البلاد نفسها تحت الضغط.

إسرائيل أيضاً من جهتها قد تشكل عائقاً كبيراً أمام عودة سوريا لتكون ممراً تجارياً موثوقاً. فإعادة تأهيل وإنشاء خط قطار الحجاز، إن نجحت، ستقلل من أهمية إسرائيل ضمن الممر الاقتصادي الهندي – الشرق أوسطي – الأوروبي وكبوابة متوسطية للدول العربية. وربما تحاول إسرائيل مقاومة هذا التطور.

ففي يونيو (حزيران)، حذرت وزيرة النقل الإسرائيلية ميري ريغيف من أن الشراكات الإقليمية في مجالي التجارة والطاقة، التي تهدف إلى تجاوز إسرائيل، تمثل “تهديداً استراتيجياً حقيقياً للأمن القومي”، مما يضع صعود سوريا كممر تجاري بديل في صلب النظرة الإسرائيلية الأوسع إلى التهديدات.

وأثبتت إسرائيل استعدادها لاستخدام القوة ضد هذه الدول؛ ففي عام 2025، قصفت مجمعاً تابعاً لـ”حماس” في الدوحة، وشنت هجمات واسعة النطاق في أنحاء سوريا، من بينها ضرب قواعد جوية كان فريق عسكري تركي يدرس إمكانية نشر قوات فيها، كما استولت على مزيد من الأراضي في جنوب سوريا. وفي أغسطس (آب) 2026، قصفت إسرائيل قاعدة أبو الظهور الجوية السورية، بعدما زعمت أن دمشق تستعد للسماح بانتشار قوات تركية فيها بهدف “الإضرار بإسرائيل”، وفق تعبير وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس.

وتدرك دمشق أنها لا تستطيع تحمل حرب مع إسرائيل، لذلك امتنعت عن الرد عسكرياً وسعت إلى دفع إسرائيل للانسحاب عبر المشاركة في مفاوضات برعاية أميركية. غير أن هذا النهج المتزن قد لا يكون كافياً لردع إسرائيل عن توسيع احتلالها غير القانوني لأراض سورية، أو استهداف البنية التحتية السورية، أو تأجيج عدم الاستقرار من خلال علاقاتها مع الأقليات السورية، وهي ممارسات تعرقل جميعها مشاريع حيوية لتعافي سوريا.

وكما جادل محللا شؤون الشرق الأوسط شيرا إفرون وداني سيتـرينوفيتش في “فورين أفيرز”، فإن محاولات الحكومة السورية الجديدة التصدي لهذه العمليات قد تنتهي بتحويل إسرائيل وسوريا إلى خصمين دائمين. كما أن هذه المحاولات ستجعل سوريا أكثر احتياجاً إلى دعم القوى الأجنبية.

ادفع بدل المشاركة
كذلك فإن النفوذ المتزايد للقوى الأجنبية في سوريا يؤثر أيضاً بأبعاد سياسية مهمة لعملية إعادة إعمار البلاد. إذ إن الأسد، طوال سنوات الحرب الأهلية، منح الدول الداعمة لنظامه القمعي إمكانية الوصول إلى الأراضي والأصول الاقتصادية السورية. وفي هذا الإطار قامت روسيا ببناء قواعد عسكرية لها داخل سوريا وحصلت على امتيازات مربحة في مجال استخراج الفوسفات والنفط والغاز وبمجال تشغيل الموانئ. كما استخدمت إيران سوريا كجسر ومعبر بري إلى لبنان ونشرت الآلاف من جنودها في البلاد.

وجرت محاولات إعادة بناء الدولة السورية بعد سقوط الأسد في ظل هذا الإرث الثقيل. وقد أنهت الحكومة التي يقودها الشرع إلى حد كبير نهج تفويض السيادة السورية إلى الخارج، فأخرجت القوات الإيرانية وقوات “حزب الله” من سوريا، وفككت الشبكات التي أبقت الممر العسكري الإيراني في البلاد قائماً، واستعادت السيطرة على القواعد العسكرية التي كانت تحت إدارة روسيا سابقاً، وإن كانت هذه القواعد ستظل تُدار بصورة مشتركة.

لكن خطر ارتهان السيادة السورية للخارج لم يختف. فلا تزال دمشق تكافح لإدارة منظومة حكم وطنية مجزأة. وعلى مدى سنوات، تولت جهات حكومية وغير حكومية متنافسة إدارة أنظمة الجمارك في مناطق مختلفة من الأراضي السورية، وفي مقدمتها “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” بقيادة الأكراد. وعلى رغم استعادة دمشق سلطتها على المعابر الحدودية مع العراق في المناطق التي كانت خاضعة لقيادة الأقلية الكردية، فإن المعبر الرئيس الذي يربط تلك المناطق بتركيا لم يُعد فتحه بعد.

ولجذب التمويل اللازم لإعادة إعمار سوريا، خفضت الحكومة الجديدة القيود أمام القوى الإقليمية والدولية للوصول إلى طرق البلاد وموانئها وأراضيها والاستثمار فيها، وهي مشاريع يمكن أن تسهم في ربط المناطق التي لا تزال منفصلة عن بعضها بعضاً. وفي هذا الإطار وقع الشرع بشهر يونيو (حزيران) الماضي، مرسوماً يسمح للمستثمرين الأجانب بحقوق ملكية كاملة في معظم القطاعات، ويمنحهم قدرة غير مقيدة على إعادة أرباحهم إلى بلدانهم، ويمدهم بتنازلات ضريبية وجمركية واسعة النطاق. ويركز المرسوم دور السلطة على منح تراخيص الاستثمار، والوصول إلى أراضي الدولة، وتحديد الأهلية للحصول على حوافز ضريبية كبيرة في المؤسسات المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالرئيس، الأمر الذي يمنح الأخير سلطة كبيرة لتحديد من يمكنه الاستثمار في الاقتصاد السوري بعد الحرب.

ومن المرجح أن يساعد هذا التركيز للسلطة في تسريع إجراءات الاستثمار وتبسيطها. لكن في غياب رقابة مستقلة على هذه القرارات، وهي رقابة لم تنشئها سوريا بعد، قد يؤدي تركيز السلطة أيضاً إلى إعادة إنتاج أسلوب عهد الأسد، حين كان فتح أبواب الاقتصاد أمام أطراف بعينها مكافأة على الولاء السياسي. وقد يحول هذا النظام إعادة الإعمار إلى مصدر جديد للمحسوبية السياسية، بما يقوض شرعية الحكومة الجديدة في نظر السوريين الذين سيجدون أنفسهم خارج دائرة المستفيدين، وربما يعيد إنتاج أوجه عدم المساواة نفسها التي أسهمت في تمزيق البلاد قبيل الحرب الأهلية.

وتمنح الامتيازات طويلة الأمد الشركات الأجنبية نفوذاً كبيراً على البنية التحتية الحيوية. فشركة الشحن الفرنسية “سي إم إيه سي جي إم” CMA CGM تملك امتيازاً مدته 30 عاماً لإدارة أكبر موانئ سوريا، ميناء اللاذقية، في ترتيب تحصل بموجبه الحكومة السورية على 60 في المئة من إيرادات الميناء.

أما شركة الخدمات اللوجستية الإماراتية “دي بي ورلد” DP World، فستمول وتبني بنية تحتية جديدة في ثاني أكبر موانئ سوريا، مقابل توليها السيطرة التشغيلية على المنشأة لمدة 30 عاماً، على أن تعود السيطرة بعدها إلى دمشق. لكن في ظل عدم نشر أي تفاصيل عن آلية تقاسم الإيرادات في هذا الاتفاق، لا يزال من غير الواضح حجم العائدات التي ستدخل خزينة الدولة، أو كيفية إدارتها وتوزيعها.

إن حجم عمليات إعادة أعمار سوريا يجعل مقاومة التمويل الأجنبي مسألة صعبة. إذ برغم قيام البنك الدولي بتوجيه نحو 500 مليون دولار في شكل منح لمشاريع خدمة عامة تستهدف الكهرباء والمياه والصحة والمؤسسات المالية، فإن ذاك سيغطي أقل من واحد في المئة من حاجات إعادة الإعمار في البلاد. وبشهر أكتوبر (تشرين الأول) قال الشرع إن حكومته خلال الأشهر الـ10 الأولى اجتذبت التزامات بقيمة 28 مليار دولار من خليط مستثمرين أتراك وخليجيين، أي قرابة 13 في المئة من إجمالي احتياجات سوريا المقدرة. غير أن أكبر هذه التعهدات يتركز في مشاريع البنية التحتية والتنمية التي تمنحها الحكومة، مثل محطات الطاقة والموانئ والمطارات والاتصالات والعقارات الحضرية، بينما لا تحظى إعادة الخدمات الأساسية وبناء المنازل التي دُمرت في أكثر المجتمعات تضرراً في سوريا بالاهتمام نفسه. فضلاً عن ذلك، فإن جزءاً كبيراً من هذا المبلغ لا يزال في إطار اتفاقات أولية.

وأنشأت حكومة الشرع في هذا الإطار صندوقين لإدارة عمليات إعادة الإعمار، هما صندوق التنمية السوري المخصص للتبرعات والمنح من أجل إعادة بناء البنى التحتية العامة كالطرق والجسور وشبكات المياه والكهرباء، والصندوق السيادي السوري الذي يستلهم صناديق الثروة السيادية الخليجية، والمخصص لإدارة أصول الدولة والاستثمار في الممتلكات العامة والحصول على حصص في المشاريع الاستراتيجية.

وتعد صناديق إعادة الإعمار المخصصة مظاهر شائعة في دول ما بعد النزاعات، وقد يكون من المبرر إنشاء صندوق ثروة سيادي بغية تبسيط إدارة الأصول العامة المتفرقة والمتضررة التي أديرت تاريخياً على نحو سيئ. لكن الخوف يتمثل في أن الصندوق السيادي السوري هذا بموجب صيغته الحالية يجعل إدارة الأصول العامة مركزة تحت سلطة الرئيس مباشرة ودون إشراف مستقل وبكشف عام محدود حول بنيته وإدارته، وذلك وفق الطريقة عينها التي انتهجت في برامج إعادة الإعمار بأفغانستان والعراق والصومال.

وحتى الإصلاحات الرامية إلى تعزيز المساءلة تظل خاضعة لسلطة الرئيس. فعلى سبيل المثال، سيعمل المركز المزمع إنشاؤه للفصل في النزاعات الاستثمارية والتجارية ضمن “هيئة الاستثمار السورية”، التي تتبع بدورها للرئاسة. وقد تمنح هذه البنية الرئيس نفوذاً مفرطاً في تحديد المستثمرين والمناطق والمجتمعات التي ستستفيد من عملية التعافي. وفي بلد عانى منذ ستينيات القرن الماضي إساءة الدولة استخدام السلطة والثروة، تبدو هذه الطريقة في تركيز السيطرة مألوفة على نحو يبعث على القلق.

جني الثمار
لا يمكن للاستثمارات وممرات العبور أن تولد عائدات دائمة للبلاد إن ظل التشرذم المتجدد محافظاً على الفجوة القائمة بين دمشق القوية والغنية والأطراف الفقيرة المفتقدة للتنمية. كما أن قدرة سوريا على تحويل الاستثمار الأجنبي إلى مكاسب محلية تعتمد في نهاية المطاف على قدرة دمشق في إقامة نظام سياسي يمكن تصوره والتنبؤ بمستقبله. حتى الآن يبدو أن الحكومة السورية تحقق مكاسب متلاحقة، لكن الطريق أمامها ما زال طويلاً. فقد جاءت حملة الشرع لإعادة توحيد البلاد على مدى العامين الماضيين متسمة بالعنف. وقد أسهم القتال الذي ساد بمنطقة الساحل ذات الأغلبية العلوية، وفي منطقة السويداء ذات الأغلبية الدرزية، وفي أنحاء شمال شرق سوريا حيث يسيطر الأكراد في تعميق مشاعر عدم الثقة بين الدولة والمجتمعات التي تسعى إلى حكمها.

وكان تجدد المواجهات بين دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية”، وهي ائتلاف تقوده شخصيات كردية ومدعوم من الولايات المتحدة، حكم معظم مناطق شمال شرقي سوريا بعد طرد تنظيم “داعش” منها، أوضح مؤشر إلى احتمال عودة الحرب الأهلية. وعلى رغم توقيع الحكومة المركزية و”قوات سوريا الديمقراطية” اتفاقاً للاندماج في مارس (آذار) 2025، فإن الخلافات حول دمج القوات عسكرياً وحول الحكم الذاتي الكردي حالت في البداية دون تنفيذ الاتفاق، قبل أن تندلع مواجهات في يناير (كانون الثاني) أدت إلى نزوح أكثر من 170 ألف شخص.

وبعد إسهام وقف النار الذي توسطت به الولايات المتحدة في وقف تقدم القوات الحكومية شمالاً، وقعت قيادة دمشق و”قسد” اتفاقاً يقضي بنقل السيطرة على المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز والمؤسسات المحلية إلى سلطة دمشق ودمج مقاتلي “قسد” في الجيش السوري. وفي شهر أغسطس، بعد أشهر من التنفيذ التدريجي للاتفاق، أعلن قائد “قسد”، مظلوم عبدي، حل التحالف كقوات مستقلة وإنهاء الحكم الذاتي الكردي في شمال شرقي سوريا. حتى أن البنى التحتية والموارد التي كانت خاضعة عملياً لسلطة الأكراد يتم تسليمها راهناً إلى دمشق.

وعلى الورق، يوفر اتفاق يناير (كانون الثاني) بين دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية” إطاراً لمعالجة الحدود غير الرسمية وطرق العبور المغلقة التي نشأت خلال الحرب، وتوحيد المسؤوليات المتنافسة وأنظمة الحكم المتوازية. لكن إذا رأت الغالبية الكردية في الشمال الشرقي أن عملية إعادة الاندماج غير كافية أو أنها لا تضمن حقوق الأكراد وتمثيلهم، فقد تبدأ في المقاومة، مما يعرقل مساعي دمشق لترسيخ سيطرتها الكاملة على البلاد وممرات العبور فيها.

وتزيد عودة ملايين السوريين إلى البلاد من حساسية الرهانات السياسية. وبحلول نهاية مايو (أيار)، كان ما يقدر بنحو 1.67 مليون لاجئ و1.92 مليون سوري نازح داخلياً قد عادوا إلى مناطقهم الأصلية. ويعود كثير من هؤلاء من سنوات طويلة من الفقر في الدول المجاورة إلى مجتمعات تكافح أصلاً لتلبية الاحتياجات الأساسية لسكانها، مما فاقم التنافس على السكن وفرص العمل والخدمات العامة، وقد يخلق مصادر جديدة للسخط والنزاعات المحلية مع استمرار عملية العودة. ولدمج هؤلاء العائدين بنجاح، يتعين على دمشق منح المحافظات والبلديات الموارد والصلاحيات التي تمكنها من معالجة مشكلات الخدمات وفرص العمل والتعليم في الوقت المناسب، وبما يتناسب مع احتياجات كل منطقة.

ولتجنب إعادة إنتاج منظومة اقتصاد ريعي معتمد على رسوم العبور والامتيازات الأجنبية، على الدولة السورية أن تعيد استثمار عائدات المشاريع في المناطق والمجتمعات المحلية. لقد أدى اعتماد الأسد على إيران وروسيا إلى تضييق مجال المناورة المتاح له، لكن الحكومة السورية الجديدة في المقابل قادرة على التفاوض مع أوروبا ودول الخليج وتركيا والولايات المتحدة والمؤسسات الدولية الساعية للوصول إلى الأسواق وممرات العبور والمنافذ السورية.

والتنافس بين أولئك الشركاء يمنح دمشق قدرة للتفاوض على شروط تحفظ أكبر قدر ممكن من قيمة الاستثمارات في سوريا. لكن استخدام هذه القدرة بفاعلية سيتطلب عقد اتفاقات شفافة مرتبطة بأولويات واضحة لسياسة الإعمار والتعافي التي تعتمدها الدولة. وبغية ربط العاصمة على نحو أفضل بالمدن والبلدات البعيدة، على الحكومة المركزية الاستثمار في تحسين شبكات التواصل عبر الطرق والكهرباء وإلزام المستثمرين الأجانب في دعم عقود التوظيف ومشاركة الإيرادات محلياً. كما ستحتاج الدولة أيضاً للتوصل إلى تسويات دائمة وعادلة مع زعماء الأقليات والمجتمعات القبلية لتعزيز الثقة في المجتمع المحلي.

إن الاهتمام المتجدد بسوريا كنقطة عبور تفيد التجارة الإقليمية أسهم في منح دمشق دخلاً وأهمية ونفوذاً في وقت تحتاج فيه إلى هذه الأمور الثلاثة جميعها. لكن هذه الموارد ليست ثابتة. والتحدي الذي تواجهه دمشق يتمثل في طريقة استخدام الأرباح المتأتية من أهميتها المكتشفة حديثاً بالنسبة إلى التجارة الإقليمية، وذلك من أجل بناء مؤسسات فاعلة وتوزيع موارد تسهم في التعافي وتجاوز العداوات التاريخية. وإلا فإن سوريا وبعد عقود من الإقصاء، قد تعود إلى الخارطة الإقليمية مجرد قناة هشة متاحة للاستغلال التجاري من قبل الآخرين.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى