رأي

درس ديغول الضائع في مسار الماكرونية

كتب رفيق خوري في صحيفة إندبندنت عربية.

بريطانيا تذهب إلى اليسار بعدما ذهبت إلى “بريكست” على أيدي اليمين المحافظ، وأوروبا تندفع نحو اليمين المتطرف، لكن اليسار البريطاني مزيف واليمين الشعبوي المتطرف في أوروبا أصلي.

“حزب العمال” التاريخي حزب أتلي وبيفن وويلسون صار اسمه “حزب العمل” لاسترضاء رجال الأعمال، وزعيمه السير كير ستارمر أكمل ما بدأه الزعيم السابق توني بلير بدفع الحزب إلى يسار الوسط وحتى يمين الوسط.

الانتصار الكبير الذي قاد ستارمر إلى رئاسة الحكومة في “10 داونيغ ستريت” كان من أسبابه المهمة استياء الناخبين من السياسة الاقتصادية والاجتماعية لـ”حزب المحافظين” الذي بدل خمسة رؤساء حكومة خلال 14 عاماً من السلطة والفضائح، لا سيما ما فعله بوريس جونسون وليز تراس.

ويرى توم بولدوين مؤلف كتاب “كير ستارمر: سيرة حياة” أن السير كير ينطلق من “رؤية كبيرة” ثم يميل إلى تسوية مع الواقع “إذا ظهرت مصاعب”، وما يهمه “ليس لون الماكينة، ولا إن كانت قديمة أو جديدة، بل إن كانت تعمل”.

 وأخطر ما في ديمقراطية الحزبين الكبيرين هو إضعاف أي منهما إلى الحد الأقصى، فيجب أن يبقى معارضاً قوياً لكي يعود حاكماً قوياً في المستقبل.

وإذا كان مد اليمين المتطرف يصل إلى أقصى أوروبا، لا سيما في بلدان كانت ضمن المعسكر الاشتراكي أيام الاتحاد السوفياتي، فإن طبول الخطر الكبير تدق في فرنسا وإلى حد ما في ألمانيا، وهما محركا الاتحاد الأوروبي.

وإذا كان الدفاع عن الجمهورية قاد إلى أوسع تحالف في الدورة الثانية من الانتخابات النيابية الفرنسية لمنع حزب “التجمع الوطني” المتطرف من إكمال انتصاره والوصول إلى رئاسة الحكومة، فإن ما انتهى هو الماكرونية، ولو بقي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه حتى عام 2027.

وما لا مهرب من البحث فيه بعدما جاء اليسار المتطرف أولاً وبعده جماعة ماكرون، ثم “التجمع الوطني” في الدورة الثانية هو أن فرنسا الحالية لم تعُد فرنسا ديغول.

ودستور الجمهورية الخامسة الذي جاء على قياس الجنرال ديغول تسربل فيه خلفاؤه ودقت ساعة تعديله. فالبرلمان “معلق” حيث لا طرف يملك غالبية نيابية، والخوف من اليمين المتطرف أضيف إليه الخوف من اليسار المتطرف، واليمين واليسار اختراع فرنسي منذ الثورة. وآخر بلد يمكن أن تدار السياسة فيه من خارج اليمين واليسار هو فرنسا، لكن رجال الأعمال حاولوا تجربة ضد الواقع، إذ صنعوا أسطورة من وزير عادي وموظف سابق في بنك “روتشيلد” هو إيمانويل ماكرون.

كان الحزب الديغولي قد وصل إلى الحضيض مع الرئيس نيكولا ساركوزي، والحزب الاشتراكي فقد جاذبيته مع الرئيس فرنسوا هولاند. وجاءت الوصفة سريعة، اختراع حزب لا يمين ولا يسار، بل خليط من كل شيء، وما ساعد هو مرحلة الفضائح والهركلة في الأحزاب، لكن الماكرونية فقاعة، ظاهرة عابرة كما أكدت التجربة، وما فعلته الماكرونية هو إيجاد الأسباب التي قادت إلى تعاظم دور اليمين المتطرف واليسار المتطرف.

بحسب استطلاعات الرأي، فإن المناخ الذي هيمن على الناخب الفرنسي هو “التعب والغضب والحزن والخوف”. فالاقتصاد في أزمة والدين العام يتجاوز المعدل الأوروبي. والخوف من المهاجرين، لا سيما من أفريقيا والمغرب العربي، صار مثل هستيريا وقاد إلى عنصرية عميقة. وما فعله ماكرون اقتصادياً وإدارياً أفاد الأثرياء.

وما لم يفعله هو المشكلة الأساسية، فالرئيس الذي جاءت به صدفة صعد البخار إلى رأسه. أراد “أمة فرنسية أكثر استقلالاً في أوروبا أقوى”، فاصطدمت مشاريعه بالعجز الأوروبي عن حماية الذات والحاجة الدائمة إلى حماية المظلة الأميركية، بالتالي إلى “الناتو”.

وفي أول حديث مع “دير شبيغل”، قال ماكرون “ما بعد الحداثة هو أسوأ ما يمكن أن يحدث لديمقراطيين لأنه يدمر فكرة الأسطورة الوطنية المقنعة. والحياة السياسية الحديثة يجب أن تعيد اكتشاف حس الرمزية”. لعب ورقة “الوطنية” ضد “القومية”. وما رآه في السياسة الفرنسية هو “صورة ملك لم يرَ الشعب الفرنسي موته”، وتصرف كأنه ملك استعلى على الناس، وأصر على مواقف غير مقبولة من معظم الناس، ووصف “الناتو” بأنه في “موت دماغي”، ثم لم يجد سواه لدعم أوكرانيا.

في رسالة من الجنرال ديغول إلى ابنه فيليب عن جيسكار ديستان، قال “جيسكار يتخطى الجميع بأشواط، لكن عيبه أنه يظهر ذلك. عندما تكون لنا مثل هذه المهمة، علينا أن نوهم الناس بأنهم يتمتعون بالدرجة نفسها من الذكاء”.

وهذا الدرس من عملاق فرنسي لم يعمل به ماكرون بمقدار ما عمل عكسه، فهو أصر على الإظهار أنه الأذكى والأعلم، وأراد الإمساك بكل خيوط السلطة بأقل قدر من الخبرة في السياسات الخارجية والدفاعية.

والنتيجة شاب في الـ28 من عمره بلا خبرة سياسية ولا دروس عليا وضعته مارين لوبن في واجهة “التجمع الوطني” وبدأ يحصد نسبة 34 في المئة من الأصوات يعلن أنه سيكون رئيس الوزراء المقبل. ولا عجب. فماكرون سبقه، وإن كانت لديه خبرة محدودة كرجل أعمال.

حين ذهبت فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية إلى النازية والفاشية من خلال الماريشال بيتان الذي كان بطل فرنسا في الحرب العالمية الأولى، أنقذها الجنرال ديغول من وراء مذياع في لندن وبالتضامن مع الحلفاء الأميركيين والبريطانيين والسوفيات، فمن ينقذها اليوم من يمين متطرف مخيف ومغامر ومستعد لأخذ البلد والناس إلى “حرب” مع المهاجرين وحرب على المستقبل وحرب على الاتحاد الأوروبي؟، ومن ينقذها من يسار متطرف أكثر من تروتسكي بعد زوال التروتسكية والستالينية واللينينية وإعادة النظر في الماركسية؟.

الوسط لا يستطيع أن “يصمد” كما جاء على غلاف مجلة “ذا إيكونوميست” البريطانية، والاتحاد الأوروبي يواجه فوق مشكلاته ورهاناته المهمة والعادية متغيرات شعبية في كل بلدان الأعضاء تريد العودة إلى قبل السوق الأوروبية المشتركة في الخمسينيات من القرن الماضي.

يقول جيرار آرو وهو سفير فرنسي سابق في أميركا، إن “مهمة فرنسا هي دائماً أن تكون لديها رؤية لا يشاركها فيها أحد”، لكن اليمين المتطرف يعمم رؤيته الخطرة على كل أوروبا.

 ولعل جان مونيه مؤسس السوق الأوروبية المشتركة التي صارت الاتحاد الأوروبي على حق في القول “لو كان علينا أن نبدأ البناء الأوروبي من جديد لوجب أن نبدأ من الثقافة بدلاً من الاقتصاد. لكن مشكلة فرنسا، بحسب خبير فرنسي تتغير دائماً وظهرها إلى الحائط”.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى