جنوب أفريقيا – إيران: تقارب لم يحِن أوانه بعد

كتب محمد عبد الكريم أحمد, في الأخبار:
تكشف زيارة وفد عسكري جنوب أفريقي إلى طهران حدود التعاون مع الأخيرة وسط اعتراض داخلي وضغوط أميركية، ما يجعل التقارب مؤجلاً رغم تقاطع المواقف تجاه غزة والهيمنة الغربية.
لا تزال تداعيات زيارة وفد عسكري جنوب أفريقي إلى إيران، منتصف الشهر الجاري، حاضرة بقوّة في المشهد السياسي في بريتوريا، بعدما أُلحقت الزيارة بتعليقات مهمّة لقائد الجيش، الجنرال رودزاني مافوانيا، تعهّد فيها بتقديم دعم عسكري وسياسي لطهران. ووصلت الانتقادات إلى حدّ دعوة «التحالف الديمقراطي»، المشارك في حكومة الرئيس سيريل رامافوسا، إلى محاكمة الجنرال عسكرياً، على خلفية تعليقاته التي «تجاوزت حدود التعاون العسكري، إلى مجال السياسة الخارجية»؛ علماً أن مافوانيا قال لصحيفة «طهران تايمز» (15 آب)، إن جنوب أفريقيا والجمهورية الإسلامية «تقفان في صفّ الشعوب المقهورة في أرجاء العالم». واستدعت تلك التعليقات، وما نتج منها من حالة استقطاب في البلاد، تدخُّل رامافوسا، الذي أكّد أنه سيجري نقاشاً مع قائد الجيش، لا تزال طبيعته وحدوده غير معروفَيْن.
أفق التعاون العسكري بين بريتوريا وطهران
أثارت زيارة وفد عسكري جنوب أفريقي إلى طهران (12 آب)، توقّعات برفع مستوى التعاون العسكري والدفاعي بين الجانبَين، في ظلّ تصاعُد توتّر علاقات هذين البلدين مع الولايات المتحدة. وفيما أكّد رئيس هيئة الأركان في القوات المسلحة الإيرانية، عبد الرحيم موسوي، استعداد بلاده للتعاون مع جنوب أفريقيا، أثنى وزير الدفاع الإيراني، عزيز ناصر زاده، عقب لقائه مافوانيا، على دور جنوب أفريقيا الجيوسياسي والجيواقتصادي في القارة الأفريقية، وموقفها المستقلّ والشجاع في الشؤون الدولية، وهو ما ردّ عليه المسؤول الجنوب أفريقي بتأكيد ازدرائه الأعمال الإسرائيلية وحرب الإبادة في غزة، متحدّثاً عن وجود قيم مشتركة بين نيلسون مانديلا والإمام الخميني «في معارضة الظلم والتمييز»، وعن أهميّة موقع إيران الاستراتيجي في الخليج وغرب آسيا (بالنسبة إلى التوجّهات الجنوب أفريقية)، داعياً أيضاً إلى تقوية التعاون الثنائي بين البلدَين.
أفق التعاون العسكري بين البلدين، يظلّ في دائرة ضيقة
لكنّ أفق التعاون العسكري بين البلدين، يظلّ في دائرة ضيقة، وفق ما تكشّف من جولة مافوانيا؛ إذ أكّد مسؤولو البلدين أهمية تحقيق تضامن دفاعي أكبر بينهما، تحت مظلّة تجمع «بريكس»، في ما يشير إلى أن هذا التعاون لا يزال في مراحله المبكرة، وأن ما وراء «عملية الاستطلاع الراهنة» لم يتضح بعد. مع هذا، أثارت الزيارة ردود فعل أميركية وإسرائيلية عدائية للغاية، بعدما كانت أبدت جهات غربية، مطلع آب الجاري، انزعاجها من بريتوريا، بسبب «تعميقها» صلاتها مع طهران، «على حساب أسسها الديمقراطية ومبادئها الدستورية»، وقالت إن «حزب المؤتمر الوطني» الحاكم في جنوب أفريقيا، يحاول حلّ مشكلاته المالية «عن طريق دعم (مالي) خفيّ من قِبَل إيران».
جنوب أفريقيا والعقوبات الأميركية: الخروج من العزلة
يمكن النظر إلى مساعي بريتوريا الأخيرة لتوطيد علاقاتها الأمنية والعسكرية مع إيران، في إطار جهد أشمل لكسر العزلة التي تفرضها عليها الولايات المتحدة منذ تولّي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة؛ إذ يخشى نظام رامافوسا مزيداً من التشدّد الأميركي، على الرغم من تحسّن مؤشرات التبادل التجاري بين البلدين في النصف الأول من العام الجاري، مع ارتفاع صادرات جنوب أفريقيا الزراعية في الربع الثاني منه، بنسبة تجاوزت 25% مقارنة بالفترة نفسها في العام الماضي.
لكنّ سياسات ترامب تؤشر إلى ضغط شامل على جنوب أفريقيا سياسياً واقتصادياً، في ظلّ توجهات نظام رامافوسا الخارجية في ملفات من مثل الحرب في غزة، والعلاقات مع الصين وروسيا، وسياسات بلاده في مناطق الأزمات في أفريقيا (مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، وموزمبيق)، وأخيراً التقارب مع إيران.
وجاءت زيارة مافوانيا واجتماعاته مع ثلاثة من أبرز مسؤولي الدفاع والأمن في إيران، استكمالاً لتوجه بريتوريا نحو تعميق علاقاتها العسكرية مع روسيا والصين والدول ذات التوجه المشترك (الجنوب العالمي)، بعد مشاركتها في تدريبات بحرية مشتركة في تموز 2023، وترحيب بريتوريا وقتها (على لسان نائب رئيس البحرية الجنوب أفريقية موندي لوبسي) بجميع «السفن الإيرانية العسكرية وغير العسكرية» في مياه جنوب أفريقيا وموانئها.
أيضاً، رحّبت بريتوريا، مطلع العام الجاري، بوصول سفينتَين بحريتَين إيرانيتَين إلى مدينة كيب تاون بعد أشهر قليلة من فرض واشنطن عقوبات عليهما، في وقت برزت فيه تقارير عن ترحيب وزير الموارد المعدنية والبترولية الجنوب أفريقي، جويدي مانتاش، «بتعاون طاقوي نووي محتمل مع إيران»، وصِلة ذلك بفرض ترامب، في شباط الماضي، عقوبات على جنوب أفريقيا بسبب «دعمها لأعداء الولايات المتحدة».
هكذا، يبدو أن ثمّة تعقيدات كبرى في ملف التقارب بين بريتوريا وطهران، ربما تنجلي وجهة التعامل معها، عقب إنهاء لجنتين، إحداهما حول الدفاع وقدامى المحاربين العسكريين برئاسة داكوتا ليجوتي، وأخرى حول العلاقات الدولية برئاسة سوبرا ماهومابيلو، تقصّيهما ما وراء تصريحات مافوانيا، ومدى القصور في التنسيق بين الدبلوماسية الدفاعية/ العسكرية وسياسة جنوب أفريقيا الخارجية الرسمية.
وكشف بيان مشترك للجنتين (19 الجاري) عن ملاحظة رئيسَيهما بـ»قلق بالغ»، «نأي وزارة العلاقات والتنسيق الدوليَّين بنفسها عن تعليقات الجنرال (مافوانيا)، ووصف الرئاسة للزيارة (التي قام بها الأخير) بأنها طائشة». وحتى في حال وضع التفاعل الحالي في شأن الزيارة في سياق تعزيز القوة التفاوضية لبريتوريا في مواجهة الضغوط الأميركية، فإن المبالغة في التراجع عن هذه التعليقات ومعاقبة صاحبها، ستؤشر إلى مدى سطحية مقاربة بريتوريا لمسألة تعميق علاقاتها مع طهران، وربّما تكون بداية لتراجع جنوب أفريقي في ملفات سياسات خارجية أخرى تهمّ واشنطن.




