رأي

تركيا والبعث الطوراني: الجغرافيا في خدمة الذاكرة القومية

يوسف بدر – النهار:

في تعبير عن الاستقلالية، برز خطابٌ يعبّر عن الوعي بالذات الطورانية ومدى قوتها؛ إذ قال الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف: “إن عائلتنا، العالم التركي، أصبحت واحدة من مراكز القوة الجيوسياسية المؤثرة في القرن الحادي والعشرين، وتساهم في بناء حضارة أجدادنا العظام”.

عندما يشير الأتراك إلى منطقة آسيا الوسطى، فإنهم يطلقون عليها “آنا وَطَن”، أي الوطن الأم الذي خرجت منه القبائل الطورانية، وهو ما يشجّع أتراك الأناضول على مدّ قوميتهم شرقاً وبناء المشروع القومي الطوراني، في ظل الدور الذي تسعى تركيا إلى الحفاظ عليه بصفتها جسراً، أو قنطرة اتصال، بين الشرق والغرب.

وقد بدأت آثار هذا الدور تنعكس داخل مناطق القوقاز وآسيا الوسطى والبلقان، بما يضع تركيا في منافسة مع قوى تقليدية في هذه المناطق، على رأسها روسيا والصين وإيران، خصوصاً مع ظهور تيار “العثمانية الجديدة” الذي يمثل الوجه الآخر للعملة الطورانية، والذي امتد نحو مواطن العرقيات التركية، شرقاً وشمالاً شرقياً، على أساس العرق واللغة، فيما اتجه نحو العالم العربي، جنوباً وجنوباً شرقياً، على أساس الدين والإرث الثقافي.

وكانت الثمرة، في نهاية المطاف، أن تحولت “تركيا الأناضول”، التي رسم حدودها مصطفى كمال أتاتورك، إلى مركز الثقل السياسي والاقتصادي والثقافي للشعوب التركية، وباتت الجمهوريات التركية تنظر إلى تركيا بصفتها النموذج الذي ينبغي الاقتداء به، لما جمعته من عناصر الحداثة والأصالة، والإسلام والعلمانية، خصوصاً أن تلك الجمهوريات تمضي في مسار الاستقلال والتخلص من آثار الحقبة السوفياتية. فمثلاً بلد مثل كازاخستان اعتمدت في دستورها الجديد التركيةَ الكازاخية وحدها لغةً رسميةً مع تنحية الروسية، ما يمثل انتصاراً للتيار القومي الطوراني.

الوعي بالذات الطورانية
في تعبير عن الاستقلالية، برز خطابٌ يعبّر عن الوعي بالذات الطورانية ومدى قوتها؛ إذ قال الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف: “إن عائلتنا، العالم التركي، أصبحت واحدة من مراكز القوة الجيوسياسية المؤثرة في القرن الحادي والعشرين، وتساهم في بناء حضارة أجدادنا العظام”. وفي الأدبيات، مثل الشعر والرواية والدراما، بدأت عملية إحياء رموز الأمة الطورانية، مثل أوغوز خان (توفي 2000 ق.م)، الذي يُنظر إليه بصفته الجد الذي انحدرت منه قبائل الأوغوز الترك. ومثلما يشبّه الفرس ملكهم كورش الكبير بشخصية “ذو القرنين” المذكورة في القرآن والتوراة، كذلك يعتقد الترك أن جدهم هو تلك الشخصية نفسها التي نالت بركة السماء. وكذلك تبرز شخصية “متى خان” (ولد 234 ق.م)، الذي وحّد القبائل وأسس إمبراطورية شيونغنو التي زاحمت الصين القديمة، والتي يعدّها الأتراك نواة إمبراطورية الترك التي امتدت حتى ظهور الدولة السلجوقية على يد طغرل وألب أرسلان، ثم الدولة العثمانية على يد أرطغرل وعثمان الأول ومحمد الفاتح، وصولاً إلى الدولة التركية القومية على يد مصطفى كمال أتاتورك (أبو الأتراك).

الأمة الطورانية التفاحة الحمراء
الوجود التركي امتد من الشرق نحو الغرب حتى بحر إيجه، والآن يسعى إلى الإحياء القومي بالعودة عكسياً، وهو ما يفسر لماذا لم يُسقط الإسلاميون الأتراك صورة أتاتورك رغم علمانيته؛ إذ أنهم، على غرار ما فعله الفرس، يمزجون بين الإسلام والقومية الطورانية، حتى إن بيوت التركمان في العراق، مثلاً، لا تخلو من صوره على جدرانها.

كذلك فإن الرموز الأسطورية الطورانية، مثل الذئب الرمادي أو الأزرق، يفهمها العقل الجمعي التركي جيداً، وكذلك التفاحة الحمراء “قزل ألما”، التي تمثل الغاية الكبرى والنصر المنشود. فإن كان تفسيرها هو القسطنطينية في عهد محمد الفاتح، فإن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فسرها أثناء عملية غصن الزيتون بقوله: “لقد قال جنودنا، حين سُئلوا عن سبب ذهابهم إلى عفرين: التفاحة الحمراء. إن معنى التفاحة الحمراء كبير جداً، وهو إعلاء كلمة الله تعالى، وهذا أمر مهم جداً”! أي السعي الدائم نحو هدف أكبر من الواقع القائم، وحالياً وحدة العالم التركي ثقافياً وحضارياً.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى