رأي

انضمام الإمبريالية الأوروبية إلى الحرب الأميركية الإسرائيلية غير الشرعية على إيران

الحكومات الأوروبية والطبقات الحاكمة تُدرك صراعاتها الاقتصادية والاستراتيجية المريرة مع واشنطن، لكنها انحازت على نحو متكرر، إلى جانب واشنطن في سعيها الحثيث لفرض هيمنتها العالمية المُتلاشية.

أليكس لانتير – موقع “الاشتراكي العالمي”:

تتّسع رقعة الحرب الأميركية الإسرائيلية ضدَّ إيران بسرعةٍ لِتتحوَّلَ إلى صراعٍ إِقليميٍّ مُتعدّد الجبهات، بل يتوسع عالمياً.

وبينما تنتشرُ الحرب في جميع أنحاء الشرق الأوسط، تُجرّ القوى الإمبريالية الأوروبية مباشرةً أكثر فأكثر إلى العمليات العسكرية.

كذلك وسعت “إسرائيل” عملياتها لتشمل لبنان بعد إيران، وتشنُّ غاراتٍ جوية في أنحاء البلاد من ضمنها هجمات في وسط بيروت على مناطق سكنيةٍ مُكتظَّةٍ بالسُكّان. وقد أجبر أكثر من 800 ألف شخصٍ على النزوح، بينما قُتل أكثر من 600 شخصٍ، وأُصيب 1444 آخرون بجروح.

لقد أدَّى الصراع بالفعل إلى زعزعة الأسواق العالمية، وتأجيج ارتفاع الأسعار، وأصبح مضيق هرمز، الذي يمرُّ عبره جزء كبير من النفط العالمي، نقطة اشتعال للمواجهة المباشرة، بينما تُستدرج القوى الإمبريالية الأوروبية (سياسياً وعسكرياً)، بحُجَّةٍ زائفةٍ لأجل “حماية طرق الشحن” و”الدفاع عن القواعد العسكرية في المنطقة”.

مطلع الأسبوع الجاري، هبط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على متن حاملة الطائرات النووية “شارل ديغول”، وأعلن أنَّ فرنسا ستقود مجموعةً بحريةً أوروبيةً في الشرق الأوسط. وذلك بعد نحو أسبوعٍ واحدٍ فقط من اعترافه بأنَّ الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران “تشنُّ خارج إطار القانون الدولي”، والآن تلتزم فرنسا وحُلفاءها الأوروبيين بالانضمام إلى هذه الحرب غير الشرعية.

وحين أعلن ماكرون عدم شرعية الحرب ومعارضة فرنسا لها، لم ينتقد الجرائم التي ارتكبتها القوات الأميركية والإسرائيلية ضدَّ الشعب الإيراني، بما في ذلك مذبحة قتل 160 تلميذةً في قصف مدرسةٍ في مدينة ميناب، وقصف المستشفيات، وتلويث سماء إيران بقصف مستودعات الوقود الإيرانية. كذلك، لم يُعلن ماكرون عن إغلاق القواعد الجوية الفرنسية أمام الطائرات الحربية الأميركية إطلاقاً.

وبدلاً من ذلك، قال ماكرون إنَّه إلى جانب السفن الحربية الإسبانية والهولندية والإيطالية واليونانية، ستتولَّى حاملة الطائرات الفرنسية “تنسيق عملية أوسع نطاقاً سلميةً ودفاعيةً تماماً، في هذا السياق المضطرب للغاية، للحفاظ على حرية الملاحة والمشاركة في الأمن البحري”.

وأضاف أنَّه على الرغم من أنَّ هذه العملية ستشمل البحر الأبيض المتوسط ​​والبحر الأحمر في البداية، إلا أنَّها ستتوسَّع في النهاية لتشمل “استعادة المرور عبر مضيق هرمز وفتحه تدريجياً، عندما تسمح الظروف بذلك”.

جوهر هذا الكلام أنَّه إعلان حرب من فرنسا وحلفائها الأوروبيين ضدَّ إيران. فبينما يهدفُ الانتشار الأولي للسفن الحربية الأوروبية إلى حماية “إسرائيل” وقواعد حلف “الناتو” في الشرق الأوسط من الضربات الإيرانية الانتقامية ردّاً على القصف الأميركي الإسرائيلي، إلا أنَّ هذا الإجراء منذ البداية يهدفُ إلى التمهيد لتدخُّل في المياه الإيرانية في مضيق هرمز.

وردّاً على العدوان الأميركي الإسرائيلي ونشر السفن الحربية الأميركية في المحيط الهندي لحصار شحنات النفط الإيرانية، بالمقابل فرضت إيران حصاراً على مضيق هرمز، بينما تقصفُ القواعد الأميركية في منطقة الخليج لقطع هذا الشريان البحري الحيوي الذي يمرُّ من خلاله 20% من نفط وغاز العالم، وثُلث أسمدته إلى الأسواق العالمية.

وقد استهدفت القوات الإيرانية ما لا يقلُّ عن 12 سفينةً حاولت اختراق هذا الحصار بصواريخ مُضادَّةً للسفن من قواعد مُحصَّنةٍ على طول الساحل الإيراني.

وفي خطابه المقتضب لمدة 7 دقائق أمام البحارة على متن حاملة الطائرات “شارل ديغول”، لم يُجب ماكرون على أي من الأسئلة التي أثارتها تصريحاته. ولم يحاول تفسير سبب انحياز القوى الأوروبية إلى حرب ترامب غير الشرعية، بعد أشهرٍ قليلةٍ فقط من فرض إدارة ترامب تعريفات جمركية على أوروبا في إطار الحرب التجارية، والتهديد بغزو جزيرة غرينلاند الدنماركية والاستيلاء عليها.

ولم يُحدّد ماكرون الشروط التي سيرسل بموجبها حاملة الطائرات لشق طريقها عبر مضيق هرمز. ويعود ذلك جُزئياً إلى أنَّ تصريحاته كانت تهدف إلى تهدئة حالة الذعر في الأسواق المالية إزاء إغلاق المضيق، حيث شهدت الأسواق ارتفاعاً مُؤقَّتاً في أسعار النفط إلى ما يزيد عن 100 دولار للبرميل، وذلك بإيهام الناس بأنَّ المضيق سيعاد فتحه قريباً.

والأهمُّ من ذلك، أنَّ إعلان ماكرون بشأن كسر حصار مضيق هرمز يكشف عن حسابات الطابع الإجرامي لسياسته.

حالياً، تبقى السفن الحربية الأميركية، على غرار نظيراتها الأوروبية، على بُعد مئات الكيلومترات من المضيق لتجنُّب مدى الصواريخ الإيرانية. ولن تتمكَّنَ هٰذِهِ السُفُنُ مِن الإِبْحارِ إِلَى المَضِيقِ، على بعد كيلومتراتٍ قليلةٍ من الساحل الإيراني، إلا إذا كان القصف الأميركي الإسرائيلي قد دمَّر المُقاوَمَةَ الإِيرانِيَّةَ بالفعل حيث لا تخشى هذه السفن الحربية أي هجوم صاروخي أو مدفعي.

إنَّ ادّعاء ماكرون بأنَّ هذه السياسة “سلمية ودفاعية” يُعدُّ استخفافاً بعقول الشعب الفرنسي والعالم أجمع.

فمع استمرار إيران في إطلاق وابل تلو الآخر من الصواريخ الباليستية على أهداف أميركية وإسرائيلية في أنحاء المنطقة، بات من الواضح أنَّ الحرب على إيران يتطلَّب مستوياتٍ وحشيةً من العنف، ففي الحرب ضدَّ إيران، تُطبَّق القوى الإمبريالية في حلف “الناتو” أساليب الإبادة الجماعية التي طُبّقت في غزة على حربٍ إقليميةٍ، بل عالميةٍ بمعنىً أدقَّ.

كما يجري قصف “إسرائيل” المتواصل للبنان تحت مظلَّة حماية جوية تُوفّرها سفن حربية أميركية وأوروبية.

وقد أشار تعهُّد ماكرون بإرسال حاملة الطائرات “شارل ديغول” إلى البحر الأحمر إلى خططٍ لاستئناف قصف اليمن، حيث ردَّت حركة “أنصار الله” على الحرب على إيران بشنّ غاراتٍ صاروخية على “إسرائيل”.

هكذا تُشعل الإمبريالية الأميركية فتيل حربٍ عالميةً ثالثةً للحفاظ على هيمنتها العالمية، وتستهدف في المقام الأول الصين وروسيا.

فبعد أشهرٍ قليلة من اختطاف واشنطن للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ومُطالبتها فنزويلا بتسليم نفطها، ها هي مُجدّداً في حالة حرب مع دولةٍ صديقةٍ لروسيا والصين، وتُعتبر مورداً حيوياً للطاقة لبكين.

هذه الحرب لا تنفصل عن الحرب التي تشنُّها الإمبريالية الأميركية على الطبقة العاملة العالمية. ومن خلال فرض حصار على خطوط الملاحة في الشرق الأوسط، وقطع إمدادات البتروكيماويات والأسمدة، يُهدّدون بإشعال فتيل انهيار النشاط الصناعي الذي يستهلك الطاقة بضراوةٍ، وإلى انهيار إنتاج الغذاء، وانهيارٍ اقتصادي، حيث سيكون الضحايا الرئيسيُّون لهذا الانهيار هم العُمّال والمضطهدون في العالم.

كما يُبرز مثال فرنسا حقيقةً جوهريةً، حيث من المستحيل وقف انزلاق الرأسمالية نحو الكارثة بسياساتٍ تتغطَّى بالبعد الوطني.

فلا شكَّ في أنَّ الحكومات الأوروبية والطبقات الحاكمة تُدرك تماماً صراعاتها الاقتصادية والاستراتيجية المريرة مع واشنطن، لكنها انحازت على نحو متكرر، من غزة إلى فنزويلا وإيران، إلى جانب واشنطن في سعيها الحثيث لفرض هيمنتها العالمية المُتلاشية.

أوضح رئيس هيئة التحرير لموقع “الاشتراكي العالمي” ديفيد نورث في ندوةٍ طارئةٍ عُقدت عبر الإنترنت، أنَّ الهدف الأساسي للحرب هو “إلغاء القرن الماضي، ومحو جميع تبعات النضالات الوطنية الديمقراطية والاشتراكية خلاله، والتظاهرُ بأنَّ كل ذلك كان خطأً فادحاً، وأنَّ الهيمنة الاستعمارية قابلةٌ للاستعادة، وأنَّ الإمبريالية قادرةٌ على الحكم، حيث تُعلن الإمبريالية لعُمّال العالم كنتم عبيداً، وستبقون كذلك”.

منذ سنوات، لا سيَّما منذ اندلاع حرب “الناتو” مع روسيا في أوكرانيا عام 2022، شنَّت القوى الأوروبية هجماتٍ مُتواصلةً على العُمّال لتمويل إعادة التسَلُّح.

مثلاً ماكرون يلغي بسياسته هذه التنازلات الاجتماعية التي حقَّقها العُمّال الفرنسيون بعد سقوط الحكم النازي في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، لتحويل مئات المليارات من اليورو من الإنفاق الاجتماعي إلى آلة الحرب.

وفي عام 2023، خفض ماكرون المعاشات التقاعدية رغم المعارضة الشديدة والإضرابات الجماهيرية، مُعتمداً على بيروقراطيات النقابات وأحزاب الجبهة الشعبية الجديدة لإخماد النضال.

وبما أنَّ القوى الأوروبية لا تزال أضعف عسكرياً من أن تُواجه واشنطن، فإنَّها تردُّ على حروب الولايات المتحدة بتواطؤ جبانٍ، ساعيةً إلى ترسيخ مصالحها الإمبريالية تحت المظلة الأميركية ومُواصلة حربها الطبقية ضدَّ العُمّال.

وخوفاً من السخط الشعبي المتزايد، تشعرُ هذه القوى بقلَقٍ بالغٍ إزاء المعارضة الواسعة النطاق للحرب على إيران في أوساط الطبقة العاملة الأميركية والعالمية.

أمّا البديلُ، كما أوضحت ندوة موقع “الاشتراكي العالمي”، فهو بناء حركةٍ دوليةٍ واشتراكيةٍ مُناهضةٍ للحرب في صفوف الطبقة العاملة وهي ليست عاجزةً، وستتحرَّك ردّاً على الحرب والأزمة الاقتصادية والاعتداءات على مستويات معيشتها، فضلاً عن معارضتها لتنامي الفاشية والاستبداد في الولايات المتحدة وأوروبا وغيرها.

لكنَّ هذه الحركة، التي ستتطوَّر بالفعل على نطاق عالمي، تتطلَّب قيادةً سياسيةً دوليةً، تستند إلى دروس النضالات الثورية عبر التاريخ.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى