رأي

النكبة فلسطينية… وأيضاً إسرائيلية

بكر عويضة – الشرق الأوسط:

نعم، أمكن لعصابات الإرهاب الصهيوني، وأشهرها الثلاثي: «إرغون» أو «إتسل»، ثُم «هاغانا»، و«شتيرن»، أن ترغم عشرات آلاف الفلسطينيين على الهروب من مدنهم، والقرى حولها، خوفاً من فظاعات مذابح أقدم عليها إرهابيو تلك العصابات، العناصر منهم والقيادات، ومن أبرزهم المدعو مناحيم بيغن، ومِن ثم أفضى مسلسل التهجير إلى إعلان قيام دولة إسرائيل يوم الخامس عشر من مايو (أيار) عام 1948، كما هو معروف. لكن ذلك «النجاح» لم يكن ليتم لولا دعم مباشر، أو خفي، قدمته حكومات دول كبرى، وفي مقدمتها حكومة «بريطانيا العُظمى»، آنذاك، التي لجأت إلى خدعة «إنهاء الانتداب»، وبدعوى تزايد عمليات الإرهاب ضد جنودها، أقدمت على الانسحاب، قبل إتمام الحد الأدنى من التزاماتها، قانونياً وأخلاقياً، وفي مقدمتها ضمان ألا يؤدي إنشاء «الوطن القومي لليهود في فلسطين» إلى الإخلال بحقوق غيرهم من الأعراق والقوميات، وفق ما تضمنته بنود سيئ الصيت إعلان بلفور عام 1917، الرَّحم الذي أنجب كلَّ ما تلا من المصائب.

نعم، مرة ثانيةً، بعد خمسين عاماً من تَوَقُّع تيودور هرتزل، وآخرين من مؤسسي الحركة الصهيونية، في ختام مؤتمر بازل بسويسرا عام 1897، أتمت «الدولة العبرية» العام الثامن والسبعين يوم الجمعة الماضي، فهل تحقق لآباء إسرائيل المؤسسين حلم الأمن لقومهم في بلاد «المَنّ والسلوى» كما تمنوا؟ كلا، بالطبع. لكن هذا النفي لن يلغي حقيقة أن إسرائيل موجودة بصفتها دولة مُعترفاً بها في الأمم المتحدة، وذات حضور فعّال في المجتمع الدولي في مجالات عدة، من الاقتصاد إلى تقنيات ثورة الاتصالات، إلى الرياضة والفن، ناهيك بذراع عسكرية ضاربة تستطيع الوصول حيثما تشاء. حسناً، ما دام هذا هو الحال، لماذا فشل حُلم الإسرائيليين في تحقيق الأمن والسلام الدائمين، قبل وقوع هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ولم يزل كابوس الفشل مستمراً، رغم رد الفعل الإسرائيلي غير المسبوق، قسوةً وهمجيةً، على زلزال «طوفان الأقصى»؟

ذلك سؤال يمكن إدراجه ضمن نوع الأسئلة التي تحمل في باطنها مضامين إجاباتها. نعم، للمرة الثالثة، لقد برع آباء إسرائيل المؤسسون في وضع مخططات تنفيذ حلمهم، منذ مؤتمر بازل، وصولاً إلى تأسيس دولتهم. ولقد تابع الذين جاءوا من بعدهم، وتفوّقوا في البناء على ما وجدوا أمامهم من أسس. لكنْ، لا الأولون، ولا اللاحقون، أدركوا حقيقة أن إلغاء وجود الفلسطينيين على أرضهم، أو تغييب حضورهم في العالم، عقبة كأداء سوف تظل تواجههم، ناهيك باستحالة اقتلاع جذورهم الممتدة منذ مئات آلاف السنين في تراب وطنهم، مهما تمادى «جيش دفاع إسرائيل» في البطش والتنكيل، وتمكن من قتل وتشريد وتشتيت شمل مئات الآلاف.

تبقى نعم رابعة، وخلاصتها أن «نكبة 1948»، وُلِدت من رحمها نكبات إسرائيلية، سوف تظل أشباحها تطارد كل إسرائيلي يتصرف من منطلق اعتقاد ديني يرفض حق الفلسطيني في وطن فوق أرض الأجداد والآباء، ومن بعدهم الأحفاد، وهؤلاء لن يتخلى أيٌّ منهم عن الإصرار على أن قيام دولة فلسطين المستقلة هو حق عصيٌّ على التنازل عنه، شاء نتنياهو وأمثاله أم أبوا.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى