رأي

الناتو أمام أخطر اختبار منذ تأسيسه!

محمد الصالحين الهوني – العرب:

رفض أوروبا المشاركة في حرب إيران ليس مجرد موقف معزول بل إعلان عن استقلالية إستراتيجية جديدة قد تغيّر شكل الناتو وتعيد رسم موازين القوى العالمية.

لم تعد الحرب المحتملة التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران وحلفائها في لبنان مجرد مواجهة عسكرية عابرة في منطقة مضطربة من العالم، بل تحولت، حتى قبل اندلاعها، إلى اختبار لوحدة الحلف الأطلسي، وإلى تجربة تعكس عمق التحولات في بنية العلاقات بين الحلفاء.

منذ تأسيسه عام 1949، كان الحلف الأطلسي (الناتو) يُقدَّم باعتباره الركيزة الأساسية للأمن الغربي، والذراع العسكرية التي تضمن وحدة أوروبا وأميركا في مواجهة التهديدات المشتركة. لكن الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران ولبنان وضعت هذا الحلف أمام اختبار غير مسبوق، كشف عن تصدعات عميقة في بنيته وعن فجوة إستراتيجية بين ضفتي الأطلسي. فبينما يصر الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إشراك الحلفاء الأوروبيين في مواجهة إيران، يرفض هؤلاء الانخراط في حرب يعتبرونها مغامرة غير محسوبة، ما يفتح الباب أمام أزمة ثقة قد تعيد رسم مستقبل الناتو برمته.

الموقف الأوروبي ليس مجرد خلاف تكتيكي حول إستراتيجية معركة، بل هو تعبير عن قطيعة إستراتيجية متنامية تنذر بولادة نظام أمني غربي جديد، أقل تمركزا حول واشنطن.

الرفض الأوروبي للمشاركة في حرب لا تشعر العواصم الأوروبية أنها معنية بها بشكل مباشر ينبع من مجموعة معقدة من المخاوف والحسابات التي تضع المصلحة الوطنية الأوروبية في مواجهة الإرادة الأميركية. يتخوف الأوروبيون بشدة من الانزلاق إلى مستنقع استنزاف عسكري واقتصادي طويل الأمد، خاصة مع الاحتمال الكبير لامتداد ألسنة اللهب إلى عقر دارهم.

فكرة بناء سياسة دفاعية أوروبية مستقلة لم تعد ترفا فكريّا بل أصبحت خيارا إستراتيجيّا تفرضه الحاجة إلى التحرر من الهيمنة الأميركية على القرارات المصيرية للقارة

فاحتمال تعرض قواعد عسكرية أوروبية لهجمات انتقامية إيرانية أو من وكلائها لم يعد سيناريو بعيد الحدوث، بل هو كابوس يقلق المخططين الأوروبيين ويرهق ميزانياتهم الدفاعية التي تستنزفها أساسا أزمة أوكرانيا. هذا القلق يتضاعف مع الخشية من أن تتحول القدرات الصناعية الدفاعية الأميركية، ومن خلفها الأوروبية، بالكامل نحو تزويد جبهة الحرب ضد إيران، مما سيحرم الجيوش الأوروبية من الإمدادات الحيوية التي تحتاجها لتأمين دفاعها الخاص في وقت تشهد فيه القارة توترا أمنيا غير مسبوق.

لكن المخاوف الأوروبية لا تتوقف عند الجانب العسكري الصرف، بل تمتد لتلامس نبض الشارع والاقتصاد. فالرأي العام الأوروبي، الذي يتذكر جيدا كوابيس حروب العراق وأفغانستان، يظهر رفضا عارما للتورط في مغامرة حربية جديدة في الشرق الأوسط، حرب لا تحظى بأي شرعية شعبية وتنذر بارتدادات كارثية على حياة المواطن الأوروبي اليومية. إن احتمال ارتفاع أسعار الطاقة بشكل جنوني، وتدفق موجات لجوء جديدة، وتهديد الوظائف في قارة تعاني من تباطؤ اقتصادي، كلها عوامل تشكل ضغطا هائلا على الحكومات الأوروبية لاتخاذ موقف حذر.

هذا الضغط يتقاطع مع اختلاف جوهري في الرؤية السياسية والإستراتيجية بين ضفتي الأطلسي، حيث تبدو لندن وباريس وبرلين أقل قناعة من واشنطن بجدوى الحل العسكري، وأكثر ميلًا إلى الإيمان بأن المواجهة مع إيران يجب أن تدار عبر أدوات الدبلوماسية والردع، لا عبر خيار الحرب الشاملة.

إن تداعيات هذا الرفض على العلاقات الأميركية – الأوروبية عميقة ومركبة، وتتجاوز بكثير حدوث توتر سياسي عابر. التصريحات الغاضبة المتبادلة بين القادة، والتي قد تصل إلى حد الاتهامات العلنية بالخذلان، لا تكشف فقط عن سوء تفاهم ظرفي، بل عن فجوة إستراتيجية حقيقية تتسع يوما بعد يوم. في هذا الجو المشحون، تظهر صورة الناتو مهتزة، ليس كحصن منيع يرمز لوحدة الغرب، بل كمنظمة عاجزة عن التحرك الجماعي في لحظة اختبار حاسمة.

هذا الضعف المرئي يعزز بدوره النزعة الاستقلالية الأوروبية التي طالما كانت حلما لدى بعض العواصم، واليوم تتحول إلى ضرورة ملحة. فكرة بناء سياسة دفاعية أوروبية مستقلة، وقوة تدخّل أوروبية، لم تعد ترفا فكريّا، بل أصبحت خيارا إستراتيجيّا تفرضه الحاجة إلى التحرر من الهيمنة الأميركية على القرارات المصيرية للقارة.

الرأي العام الأوروبي، الذي يتذكر جيدا كوابيس حروب العراق وأفغانستان، يظهر رفضا عارما للتورط في مغامرة حربية جديدة في الشرق الأوسط

المستقبل هنا يبدو مفتوحا على سيناريوهات متعددة؛ السيناريو الأول هو الانقسام الداخلي: إذا أصرت أوروبا على رفض المشاركة، قد ينقسم الناتو إلى جناح أميركي – إسرائيلي من جهة، وجناح أوروبي متحفظ من جهة أخرى. هذا الانقسام سيضعف قدرة الحلف على الردع، ويجعله أقل فاعلية في مواجهة التحديات العالمية.

السيناريو الثاني هو إعادة تعريف دور الناتو: قد يتحول الحلف تدريجيّا من أداة للسياسة الأميركية إلى منظمة تركز على الدفاع الإقليمي الأوروبي، مع تقليص مشاركته في الحروب البعيدة.

السيناريو الثالث هو تراجع القيادة الأميركية داخل الحلف. استمرار الخلافات سيفرض إعادة تعريف جوهري لدور الناتو، ليتحول من أداة للتدخلات الخارجية تحت القيادة الأميركية إلى حصن للدفاع الإقليمي الأوروبي الخالص. في هذه الحالة ستتراجع القيادة الأميركية بشكل طبيعي داخل الحلف، مما يفتح المجال أمام قوى أوروبية كبرى لقيادة مبادرات دفاعية مستقلة، قد تكون موازية للناتو أحيانا، ومنافسة له أحيانا أخرى.

هذه التحولات ستنعكس حتما على النظام الدولي برمته، وستطرح السؤال الأهم: هل سيظل الناتو الأداة العسكرية المطيعة للسياسة الخارجية الأميركية، أم أنه سيتطور أو يتفكك ليصبح تحالفا متعدد الأقطاب، تعاد فيه صياغة شروط القيادة والعضوية والهدف؟

يمكن القول إن رفض الحلفاء الأوروبيين الانخراط في حرب أميركية ضد إيران ليس مجرد موقف تكتيكي معزول، بل هو مؤشر صادم على تحولات إستراتيجية عميقة تعصف بالعلاقة العابرة للأطلسي. نحن أمام تجربة تُختبر فيها متانة النسيج الذي يجمع الغرب. فهل نشهد بداية النهاية للناتو بصيغته التقليدية التي عرفناها على مدى سبعة عقود، حيث تبقى واشنطن القبطان الوحيد للسفينة؟ أم أننا على أعتاب ولادة ناتو جديد، أكثر أوروبية، أقل تبعية، وأكثر تشككا في مغامراته الخارجية؟

إذا أصر الحلفاء على موقفهم الرافض، فإن الحلف الأطلسي، الذي بُني على أنقاض حرب عالمية، لن يخرج من هذه الحرب المحتملة كما دخلها، بل سيخرج بصورة مختلفة جذريّا، قد لا تكون مجرد إعادة ترتيب للأوراق داخل الغرب، بل قد تعيد رسم موازين القوى والتحالفات في النظام الدولي بأسره.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى