المصالحة شرط النهضة: العرب أمام اختبار التاريخ

كتب محمد الصالحين الهوني في صحيفة العرب.
التنمية لا تتحقق بلا استقرار والاستقرار لا يقوم بلا مصالحة والمصالحة لا تُبنى إلا على إرادة سياسية.. هذه المعادلة البسيطة التي تبدو بديهية هي أعقد ما يواجه العرب اليوم.
الدعوة إلى نبذ الفرقة ووقف الاقتتال لم تعد مجرد شعار أخلاقي يُرفع في المناسبات، ولا مجرد خطاب مثالي يردده الساسة في المؤتمرات، إنها ضرورة استراتيجية تمس جوهر مستقبل المنطقة العربية. فالتنمية لا تتحقق بلا استقرار، والاستقرار لا يقوم بلا مصالحة، والمصالحة لا تُبنى إلا على إرادة سياسية تضع مصلحة الشعوب فوق مصالح الفصائل. هذه المعادلة البسيطة، التي تبدو بديهية في ظاهرها، هي في الواقع أعقد ما يواجه العرب اليوم، لأنها تتطلب كسر حلقة مفرغة من الصراعات التي استنزفت الطاقات وأهدرت الثروات وأعاقت أي مشروع نهضوي حقيقي.
لقد عاش العالم العربي خلال العقود الماضية على وقع نزاعات داخلية وحروب بالوكالة، جعلت من بعض الدول ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. في العراق وسوريا والسودان واليمن وليبيا، تحولت الانقسامات السياسية والطائفية إلى حروب أهلية، وأصبحت الفصائل المسلحة أقوى من المؤسسات الرسمية، فيما تراجع دور الدولة إلى مجرد وسيط بين قوى متنازعة. في مثل هذا السياق، يصبح الحديث عن التنمية ضربًا من الترف، لأن أي مشروع اقتصادي أو اجتماعي يحتاج أولًا إلى أرضية مستقرة، وإلى مؤسسات قادرة على إدارة الموارد وتوزيعها بعدالة.
اللحظة الراهنة بما تحمله من تطورات، تمنح العرب فرصة تاريخية غير مسبوقة؛ الطفرة النفطية التي يشهدها العالم، مدفوعة بارتفاع الأسعار والتحولات في أسواق الطاقة، وفرت للدول العربية موارد هائلة يمكن أن تتحول إلى رافعة للتنمية. هذه الثروة، إذا أُحسن استثمارها، قادرة على تمويل مشاريع بنية تحتية ضخمة، وتطوير أنظمة تعليمية حديثة، وتنويع الاقتصادات بعيدًا عن الاعتماد الأحادي على النفط والغاز.
في عصر العولمة الذي يشهد تنافسا بين الدول على جذب الاستثمارات وتطوير التكنولوجيا يصبح الاستقرار شرطا أساسيا لأي نهضة، وأي دولة لا تحقق هذا الشرط ستجد نفسها خارج السباق
غير أن هذه الفرصة لن تدوم طويلًا، لأن أسواق الطاقة نفسها تتغير بسرعة، والعالم يتجه نحو بدائل أكثر استدامة، ما يعني أن الفسحة الزمنية للاستفادة من هذه الطفرة محدودة.
الخيار إذن واضح: إما أن تتحول هذه الثروة إلى أساس لنهضة جديدة، أو أن تُهدر في إصلاح دمار كان بالإمكان تجنبه. السيناريو الأول يتطلب إرادة سياسية تتجاوز الحسابات الفئوية، وتضع مصلحة الشعوب فوق مصالح الفصائل. المصالحة الوطنية ليست مجرد تسوية بين أطراف متنازعة، بل هي شرط لبناء دولة حديثة قادرة على إدارة مواردها بكفاءة. في المقابل، السيناريو الثاني يعني استمرار النزاعات، وتحويل الثروة إلى وقود للصراع، حيث تُستخدم الأموال لشراء الولاءات وتسليح الميليشيات بدلًا من بناء المدارس والمستشفيات.
التاريخ يقدم أمثلة صارخة على كلا المسارين. دول مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة حولت مواردها المحدودة إلى قصص نجاح تنموي بفضل الاستقرار السياسي والإرادة الوطنية. في المقابل، دول غنية بالموارد مثل فنزويلا غرقت في أزمات اقتصادية واجتماعية بسبب التحيّز الأيديولوجي والانقسامات الداخلية وسوء الإدارة. العالم العربي يقف اليوم أمام تجربة مشابهة، حيث يمكن أن يتحول إلى نموذج للنهضة إذا نجح في تحقيق المصالحة، أو إلى نسخة جديدة من الدول الفاشلة إذا استمر في الاقتتال.
الاستقرار ليس مجرد غياب الحرب، بل هو بناء مؤسسات قوية قادرة على إدارة التنوع الاجتماعي والسياسي. في المجتمعات العربية، التي تتميز بتعدد الطوائف والقبائل والانتماءات، تصبح المصالحة أكثر إلحاحًا، لأنها وحدها القادرة على تحويل هذا التنوع من مصدر صراع إلى مصدر قوة. التجارب أثبتت أن التنمية لا تزدهر إلا في بيئة يشعر فيها المواطنون بأنهم شركاء في الدولة، لا مجرد رعايا لفصيل أو طائفة.
لكن العقبة الكبرى تكمن في الإرادة السياسية. كثير من القيادات العربية ما زالت أسيرة حسابات ضيقة، ترى في استمرار الانقسام وسيلة للبقاء في السلطة، حتى لو كان الثمن انهيار الدولة.
الخيار ليس بين الخير والشر، بل بين نهضة تُبنى على المصالحة، وفوضى تكرّس الانقسام. وما سيُكتب في السنوات المقبلة لن تحدده الأسواق وحدها، بل إرادة سياسية تعرف أن الشعوب لا تنتظر إلى الأبد
هذه العقلية هي التي يجب أن تتغير، لأن العالم لم يعد يحتمل دولا غارقة في الفوضى، ولا شعوبا تعيش على هامش التنمية. في عصر العولمة، الذي يشهد تنافسا بين الدول على جذب الاستثمارات وتطوير التكنولوجيا، يصبح الاستقرار شرطا أساسيا لأي نهضة، وأي دولة لا تحقق هذا الشرط ستجد نفسها خارج السباق.
الفرصة التاريخية التي يملكها العرب اليوم ليست مجرد فرصة اقتصادية، بل هي فرصة سياسية أيضا. العالم يتغير بسرعة، والتحولات الجيوسياسية تفتح المجال أمام أدوار جديدة للدول العربية إذا نجحت في تحقيق الاستقرار الداخلي. الطفرة النفطية يمكن أن تكون أساسا لبناء قوة إقليمية قادرة على التأثير في النظام الدولي، لكن هذا يتطلب أولا إنهاء النزاعات الداخلية، لأن العالم لا يتعامل مع دول ممزقة، بل مع كيانات مستقرة قادرة على الوفاء بالتزاماتها.
الخطر الأكبر هو أن تُهدر هذه الفرصة في إصلاح دمار كان بالإمكان تجنبه. إذا استمرت الحروب الأهلية، ستُستخدم الثروات لإعادة بناء ما تهدم، بدلًا من الاستثمار في المستقبل. هذا السيناريو ليس افتراضيًا، بل هو واقع عاشته دول عربية خلال العقد الماضي، حيث أنفقت مليارات الدولارات على إعادة الإعمار دون أن تحقق أي تقدم حقيقي، لأن النزاعات لم تنتهِ، ولأن المصالحة لم تتحقق.
ما يواجه العرب اليوم ليس مجرد امتحان أخلاقي، بل اختبار استراتيجي لمستقبلهم. فالثروة وحدها لا تصنع نهضة، والاستقرار لا يُشترى بالمال، والمصالحة لا تُفرض بالشعارات. ما يصنع الفارق هو القدرة على تحويل هذه اللحظة التاريخية إلى مشروع جامع، يضع مصلحة الشعوب فوق مصالح الفصائل، ويجعل التنمية هدفا مشتركا لا ساحة صراع.
الطفرة النفطية قد تكون جسرا نحو مستقبل أكثر إشراقا، لكنها قد تتحول أيضا إلى وقود لإعادة بناء ما تهدم إذا استمر الاقتتال. الزمن هنا ليس محايدا؛ إنه يضغط ويضيّق النافذة المتاحة. وإذا لم تُستثمر هذه الفرصة سريعا، فإن التاريخ سيغلق أبوابه، تاركا المنطقة أمام عقود جديدة من التراجع والضياع.
الخيار إذن ليس بين الخير والشر، بل بين نهضة تُبنى على المصالحة، وفوضى تكرّس الانقسام. وما سيُكتب في السنوات المقبلة لن تحدده الأسواق وحدها، بل إرادة سياسية تعرف أن الشعوب لا تنتظر إلى الأبد.




