خاصأبرزرأي

“المال والموازنة” أمام اختبار الحسم الثلاثاء المقبل

حسين زلغوطخاص ـ “رأي سياسي”:

تتجه الأنظار إلى جلسة لجنة المال والموازنة المقررة يوم الثلاثاء المقبل، والتي يُفترض أن تشكل محطة مفصلية في مسار مناقشة مشروع القانون المعروض أمامها، والمتعلق بالتصويت على قانون إصلاح المصارف، بعدما شهدت الجلسة أمس نقاشًا مطولًا حول مواده، أظهر حجم التباينات في المقاربات، لكنه كشف، في الوقت نفسه، وجود رغبة لدى مختلف الأطراف في الانتقال من مرحلة النقاش النظري إلى مرحلة الحسم والتصويت على المواد بندًا بندًا.

ولا تقتصر أهمية الجلسة المقبلة على الجانب الإجرائي المتمثل باستكمال دراسة النصوص، بل تتجاوز ذلك إلى كونها اختبارًا لمدى قدرة المجلس النيابي ولجانه على إنجاز التشريعات ضمن مهل معقولة، في ظل ظروف مالية واقتصادية استثنائية تفرض تسريع وتيرة العمل التشريعي، بعيدًا عن المناكفات السياسية التي غالبًا ما تؤخر إقرار القوانين.

ومن المتوقع أن يركز أعضاء اللجنة خلال الجلسة المقبلة على النقاط التي بقيت عالقة بعد النقاشات السابقة، سواء تلك المتعلقة بصياغة بعض المواد أو بالآليات التنفيذية التي ينص عليها القانون، قبل الانتقال إلى التصويت النهائي عليها. وهذه المرحلة تُعد الأكثر حساسية، لأن التصويت يحول النقاشات من مجرد آراء واجتهادات إلى مواقف تشريعية ملزمة، تحدد الشكل النهائي للنص قبل رفعه إلى الهيئة العامة.

وتؤكد التجارب المماثلة أن اجتماعات لجنة المال والموازنة لا تكون تقنية فحسب، بل تحمل في طياتها أبعادًا سياسية واقتصادية واسعة، نظرًا إلى الدور المحوري الذي تضطلع به اللجنة في دراسة المشاريع ذات الانعكاسات المالية والإدارية. ولذلك، فإن كل مادة يتم التصويت عليها تعكس توازنًا دقيقًا بين الاعتبارات القانونية ومتطلبات الإصلاح والواقع السياسي القائم.

كما أن الجلسة المقبلة ستشكل مؤشرًا على طبيعة المناخ السائد داخل المجلس النيابي، فإذا نجحت اللجنة في إنجاز التصويت على المواد ضمن أجواء توافقية، فإن ذلك سيرسل إشارات إيجابية حول إمكانية تسريع إقرار مشاريع قوانين أخرى تنتظر دورها على جدول الأعمال، أما إذا عادت الخلافات لتفرض نفسها، فقد ينعكس ذلك مزيدًا من التأخير، وهو أمر لم يعد يحتمله الواقع اللبناني في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة.

وفي هذا السياق، تبدو مسؤولية اللجنة مضاعفة، إذ إن الرأي العام بات ينظر إلى أداء المؤسسات الدستورية من زاوية قدرتها على إنتاج حلول عملية، وليس الاكتفاء بإدارة النقاشات. فاللبنانيون الذين يرزحون تحت أعباء معيشية ثقيلة ينتظرون تشريعات تؤدي إلى تحسين الإدارة العامة، وتنظيم الإنفاق، وتعزيز الشفافية، وإرساء قواعد أكثر صلابة لإدارة المال العام.

ولا يمكن فصل أعمال اللجنة عن المسار الإصلاحي الأشمل الذي يطالب به الداخل والخارج على حد سواء. فكل قانون يُقر ضمن معايير واضحة وشفافة يشكل لبنة إضافية في إعادة بناء الثقة بالمؤسسات، ويعزز صورة المجلس النيابي بوصفه سلطة تشريعية قادرة على مواكبة التحديات، بعيدًا عن الصورة التقليدية التي تربط العمل البرلماني بالمماطلة أو تعطيل الاستحقاقات.

وتكتسب جلسة الثلاثاء أهمية إضافية، لأنها تأتي في مرحلة تتطلب رفع مستوى الإنتاجية التشريعية، بعدما تراكمت مشاريع القوانين التي تمس مختلف القطاعات المالية والإدارية والاقتصادية. ومن هنا، فإن نجاح اللجنة في استكمال التصويت على المواد سيعني فتح الباب أمام انتقال المشروع إلى مرحلة جديدة من مساره الدستوري، بما يختصر الوقت، ويمنح المؤسسات التنفيذية رؤية أوضح لما ينتظرها من التزامات.

من هنا، تبدو لجنة المال والموازنة أمام فرصة لإثبات أن العمل البرلماني يمكن أن يكون أكثر فاعلية عندما تتقدم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة. فجلسة الثلاثاء ليست مجرد موعد لاستكمال مناقشة مواد قانون، بل هي محطة تقاس بنتائجها قدرة المؤسسة التشريعية على تحويل الحوار إلى قرارات، والنقاش إلى تشريعات، بما يواكب متطلبات المرحلة، ويؤكد أن الإصلاح يبدأ من حسن صناعة القانون، قبل أي خطوة تنفيذية لاحقة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى