رأي

الفضاء في الاستراتيجية الصينية… من الإنجاز العلمي إلى صناعة القوة

شاهر الشاهر – الميادين:

لم يكن البرنامج الفضائي الصيني وليد لحظة سياسية عابرة، بل جاء ثمرة استراتيجية طويلة الأمد انطلقت من قناعة راسخة بأن امتلاك التكنولوجيا يمثل أساس الاستقلال الوطني.

أعلنت “مؤسسة علوم وتكنولوجيا الفضاء” الصينية عن نجاح أول عملية استعادة مُتحكَّم بها لصاروخ إطلاق مداري في تاريخ الصين، وذلك خلال الرحلة الأولى لصاروخ لونغ مارش 10B يوم الجمعة الموافق العاشر من يوليو/تموز 2026.

يكتسب هذا الإنجاز أهمية خاصة لأن عمليات الهبوط العمودي لصواريخ الإطلاق المدارية كانت حتى وقت قريب حكراً على شركة “سبيس إكس” الأمريكية، التي أنجزت أكثر من ستمئة عملية هبوط مماثلة حتى الآن.

هذا الحدث لم يكن مجرد إنجاز تقني جديد، بل مثل تحولاً مهماً في طبيعة المنافسة الفضائية العالمية. فإعادة استخدام الصواريخ أصبحت أحد المفاتيح الرئيسية لخفض تكاليف الوصول إلى الفضاء، وفتح الباب أمام توسع الأنشطة الفضائية التجارية والعلمية والعسكرية.

ومن خلال هذه الخطوة تسعى الصين إلى بناء منظومة فضائية أكثر كفاءة واستدامة، قادرة على دعم طموحاتها المستقبلية، سواء في مجال استكشاف القمر، أو تطوير الاقتصاد الفضائي، أو تعزيز قدراتها الاستراتيجية. فالمنافسة في الفضاء لم تعد مرتبطة فقط بمن يستطيع الوصول إلى المدار أو إطلاق أكبر عدد من الأقمار الصناعية، بل بمن يمتلك القدرة على إنشاء بنية تحتية فضائية متكاملة يمكنها أن تدعم النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي والسياسي في العقود المقبلة.

غير أن أهمية هذا التطور لا تكمن في النجاح التقني بحد ذاته، بل في ما يحمله من دلالات استراتيجية. فنجاح الصين في استعادة الصواريخ وجعلها قابلة لإعادة الاستخدام يمثل خطوة متقدمة في بناء قدراتها الفضائية، إذ لا يتعلق الأمر بتقليل تكاليف الإطلاق فحسب، وإنما بتغيير فلسفة الوصول إلى الفضاء في وقت أصبح فيه هذا المجال أكثر ازدحاماً وارتباطاً بالقضايا السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية.

ولعل المثل الصيني القديم القائل: “من يرى القمة فعليه أن يبدأ ولو بخطوة صغيرة” يلخص مسيرة الصعود الصيني إلى الفضاء خلال العقود الماضية. فبالنسبة لبكين، لم يعد الفضاء ميداناً للبحث العلمي فقط، بل تحول إلى أحد أهم ميادين القوة التي ستسهم في رسم ملامح النظام الدولي القادم.

لم يكن البرنامج الفضائي الصيني وليد لحظة سياسية عابرة، بل جاء ثمرة استراتيجية طويلة الأمد انطلقت من قناعة راسخة بأن امتلاك التكنولوجيا يمثل أساس الاستقلال الوطني. فمن يملك العلم يملك القرار، ومن يملك التكنولوجيا يمتلك المستقبل.

تعود البدايات الفعلية لهذا البرنامج إلى عام 1956 عندما أسست الصين برنامجها الفضائي، وأنشأت برنامجاً لتطوير الصواريخ بقيادة العالم الصيني “تشيان شيويه سن”، الذي يُعرف بـ”أبو البرنامج الفضائي الصيني”، واضعاً بذلك الأسس العلمية والتقنية التي استند إليها التطور اللاحق.

حققت الصين أول إنجاز فضائي كبير بإطلاق أول قمر صناعي لها عام 1970، وهو “دونغ فانغ هونغ-1″، لتصبح خامس دولة في العالم تمتلك القدرة على إطلاق أقمار صناعية باستخدام صواريخ محلية الصنع.

واستمرت في تطوير قدراتها الفضائية حتى تمكنت عام 2003 من إرسال أول رائد فضاء صيني، “يانغ لي وي”، على متن المركبة “شنتشو-5″، لتصبح ثالث دولة في العالم تحقق هذا الإنجاز بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

وخلال العقدين الماضيين واصلت بكين توسيع برنامجها الفضائي بوتيرة متسارعة. فأنشأت محطة فضائية خاصة بها هي “تيانغونغ”، كما نجحت في إرسال بعثات إلى سطح القمر وجلب عينات منه، وأرسلت مسباراً إلى المريخ، وطورت منظومة الملاحة الفضائية “بيدو” لمنافسة منظومة GPS الأمريكية.

كما حققت الصين سلسلة من الإنجازات النوعية؛ إذ أصبحت الدولة الوحيدة التي نجحت في إنزال مركبة على الجانب البعيد من القمر عبر مهمة “تشانغ آه-4” عام 2019، وهو إنجاز لم تحققه أي دولة أخرى حتى ذلك الوقت.

وفي عام 2020 نجحت مهمة “تشانغ آه-5” في إعادة عينات من تربة القمر إلى الأرض، لتصبح الصين ثالث دولة تحقق هذه المهمة بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

وفي عام 2022 دشنت الصين محطة “تيانغونغ” الفضائية المستقلة بعد استبعادها من محطة الفضاء الدولية، وأصبحت المحطة مأهولة بشكل دائم وتستخدم لإجراء تجارب علمية في بيئة الجاذبية الصغرى.

كما تستهدف بكين تنفيذ هبوط مأهول على سطح القمر قبل عام 2030، إلى جانب إنشاء محطة أبحاث قمرية دولية بالتعاون مع روسيا وعدد من الشركاء، في إطار منافسة مباشرة مع البرنامج الأمريكي “أرتميس”.

هذه الإنجازات تعكس رؤية صينية متكاملة لمستقبل التكنولوجيا. ففي خطتها الخمسية الرابعة عشرة (2021-2025) خصصت الصين قطاع الفضاء باعتباره أحد الصناعات الاستراتيجية المستقبلية، وربطته بتطوير الذكاء الاصطناعي والاتصالات الكمية والاقتصاد الرقمي، في إشارة إلى أن الفضاء أصبح جزءاً من مشروعها الأشمل للتحول إلى قوة تكنولوجية عالمية.

الصين والولايات المتحدة… سباق نحو قيادة الفضاء
احتفظت الولايات المتحدة لعقود بموقع القوة الأولى عالمياً في مجال الفضاء، بدءاً من نجاحها في إرسال أول إنسان إلى سطح القمر عام 1969، مروراً بتطور وكالة ناسا، وصولاً إلى صعود الشركات الخاصة، وعلى رأسها “سبيس إكس”، التي أحدثت تحولاً جذرياً من خلال إعادة استخدام صواريخ “فالكون 9″، الأمر الذي خفض تكاليف الإطلاق وفتح الباب أمام عصر جديد من الرحلات الفضائية التجارية.

سعت الصين إلى تقليص الفجوة مع الولايات المتحدة، حتى أصبحت القوة الثانية عالمياً في المجال الفضائي بلا منافس حقيقي تقريباً. وتمتلك اليوم واحداً من أكبر أساطيل الأقمار الصناعية في العالم، كما أصبحت من أكثر الدول نشاطاً في عمليات إطلاق الصواريخ والأقمار الصناعية، إذ تنفذ عشرات عمليات الإطلاق سنوياً، وتتقاسم مع الولايات المتحدة صدارة العالم في عدد عمليات الإطلاق الفضائي.

ووفقاً لأحدث الإحصاءات، تتصدر الصين والولايات المتحدة قائمة الدول الأكثر إطلاقاً للأقمار الصناعية والمركبات الفضائية، في ظل منافسة متزايدة على قيادة هذا القطاع الحيوي. غير أن المنافسة لم تعد تقاس بعدد الصواريخ أو الأقمار الصناعية فحسب، وإنما بقدرة كل دولة على بناء “منظومة فضائية متكاملة” تشمل الصناعة والبحث العلمي والذكاء الاصطناعي والاتصالات والطاقة والمواد المتقدمة، وهو ما يجعل الفضاء أحد أهم ميادين التنافس الاستراتيجي في القرن الحادي والعشرين.

فالفضاء لم يعد مجرد “سماء بعيدة”، بل أصبح امتداداً للأرض وساحة جديدة لإعادة تشكيل موازين القوة الدولية. ومن هذا المنطلق تنظر الولايات المتحدة إلى البرنامج الفضائي الصيني باعتباره جزءاً من المنافسة الجيوسياسية المتصاعدة بين البلدين.

في الوقت الذي تعمل فيه واشنطن عبر برنامج “أرتميس” للعودة إلى القمر وإنشاء محطات دائمة عليه، تسعى بكين إلى إرسال بعثات مأهولة خلال السنوات المقبلة وإقامة بنية تحتية فضائية خاصة بها على سطح القمر.

ويدرك الطرفان أن التنافس الحقيقي لا يقتصر على الوصول إلى القمر، بل يتعلق بمن يمتلك القدرة على وضع قواعد المنافسة في الفضاء خلال العقود المقبلة، لأن من يسبق إلى الميدان الجديد سيكون الأقدر على صياغة قوانينه.

وعلى الرغم من التقدم الصيني الكبير، لا تزال الولايات المتحدة تتفوق في تراكم الخبرات، والابتكار، وقوة الشركات التجارية العاملة في قطاع الفضاء، إذ تستند قوتها إلى شبكة واسعة من الجامعات والمراكز البحثية والشركات الخاصة، بينما تعتمد الصين بدرجة أكبر على التخطيط المركزي والاستثمارات الحكومية الضخمة.

الفضاء الصيني… أداة سياسية واقتصادية وعسكرية
لم تعد أهمية البرنامج الفضائي الصيني تقتصر على حدود العلم والتكنولوجيا، بل أصبحت جزءاً أساسياً من عناصر القوة الوطنية الشاملة. فبكين تنظر إلى الفضاء بوصفه أحد المجالات التي ستحدد مكانة الدول في النظام الدولي خلال العقود المقبلة، ولذلك لم يعد الاستثمار فيه خياراً علمياً فحسب، وإنما استثماراً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً طويل الأمد.

فعلى الصعيد السياسي، توظف الصين إنجازاتها الفضائية لتعزيز صورتها باعتبارها قوة عظمى قادرة على منافسة الولايات المتحدة، ولتأكيد أن نموذجها السياسي والإداري قادر على تنفيذ مشاريع استراتيجية تمتد لعقود. ولذلك يتجاوز الإنجاز الفضائي كونه خطوة تقنية، ليحمل رسالة رمزية إلى الداخل والخارج مفادها أن الصين لم تعد دولة تسعى للحاق بالآخرين، بل أصبحت دولة تطمح إلى قيادة قطاعات المستقبل. ومن هنا تحظى عمليات إطلاق الصواريخ والبعثات الفضائية باهتمام واسع داخل الصين، لأنها ترتبط مباشرة بمشروع “النهضة الوطنية” الذي تتبناه القيادة الصينية.

أما اقتصادياً، فقد تحول الفضاء إلى أحد أكثر القطاعات الواعدة في الاقتصاد العالمي. فالأقمار الصناعية أصبحت عنصراً أساسياً في الاتصالات والملاحة والزراعة الذكية، ورصد التغيرات المناخية، وإدارة الكوارث، فضلاً عن دعم الاقتصاد الرقمي. كما أن انخفاض تكاليف الإطلاق، نتيجة تطوير الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، يمهد لظهور اقتصاد فضائي جديد يشمل السياحة الفضائية، وتصنيع المكونات في المدار، والاستفادة مستقبلاً من الموارد القمرية.

ولهذا أدركت بكين أن من يسيطر على الفضاء سيمتلك مفاتيح المستقبل، وأن التنافس الدولي لم يعد يقتصر على السيارات الكهربائية أو التقنيات المتقدمة، بل أصبح يدور حول من يمتلك البنية التحتية الرقمية والفضائية القادرة على دعم الاقتصاد العالمي وإدارة تدفق المعلومات والخدمات.

وعلى الصعيد العسكري، أصبح الفضاء جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي للدول الكبرى. فالجيوش الحديثة تعتمد بصورة متزايدة على الأقمار الصناعية في الاتصالات، والاستطلاع، والإنذار المبكر، وتحديد المواقع، وتوجيه الأسلحة الدقيقة، الأمر الذي يجعل امتلاك قدرات فضائية متطورة عاملاً أساسياً في تعزيز الردع الاستراتيجي وحماية المصالح الوطنية.

خلال السنوات الماضية طورت الصين قدرات فضائية عسكرية مرتبطة بجيش التحرير الشعبي، وأنشأت منظومات متقدمة للاستطلاع والاتصالات والملاحة. كما أصبح البرنامج الفضائي جزءاً من استراتيجية تحديث القوات المسلحة الصينية، التي تستهدف استكمال بناء “جيش عالمي المستوى” بحلول عام 2027، مع مواصلة تطوير قدراته حتى منتصف القرن، اعتماداً على الأقمار الصناعية في الاستطلاع، والاتصالات العسكرية، والإنذار المبكر، والملاحة، ودعم الأسلحة الدقيقة.

تدرك بكين أن أي مواجهة مستقبلية بين القوى الكبرى لن تقتصر على البر والبحر والجو، بل ستمتد أيضاً إلى الفضاء السيبراني والفضاء الخارجي، حيث ستلعب الأقمار الصناعية والبنية التحتية الفضائية دوراً محورياً في حسم موازين القوة.

التاريخ يبين أن المنافسة بين القوى الكبرى كانت دائماً تحمل وجهين متلازمين: وجه التقدم العلمي، ووجه التنافس السياسي. ويمكن للفضاء أن يكون ساحة للتعاون الدولي في خدمة البشرية، كما يمكن أن يتحول إلى ميدان جديد للصراع إذا طغى منطق المنافسة على منطق الشراكة.

على الرغم من أن الصين لم تتفوق حتى الآن على الولايات المتحدة في قطاع الفضاء، إلا أنها نجحت في تقليص الفجوة بينهما بصورة لافتة، وأصبحت جميع المؤشرات تؤكد أنها لم تعد لاعباً ثانوياً، بل منافساً استراتيجياً يفرض حضوره على مستقبل هذا القطاع.

ختاماً:
لقد تحول الفضاء إلى مرآة تعكس القوة العلمية والاقتصادية والسياسية للدول، وأصبح معياراً جديداً لقياس النفوذ في القرن الحادي والعشرين.

فمن يزرع المعرفة اليوم سيحصد مكانته بين الأمم غداً، وكل المعطيات تشير إلى أن الصين لم تعد تكتفي بملاحقة الولايات المتحدة في سباق الفضاء، بل تنتقل تدريجياً إلى مرحلة منافستها على قيادة أحد أهم ميادين القوة في النظام الدولي الجديد. فالمعركة في الفضاء لم تعد حول اكتشاف المجهول فقط، بل حول امتلاك التكنولوجيا التي ستحدد شكل الاقتصاد والأمن والنفوذ في النظام الدولي القادم.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى