الفساد في ليبيا: أزمة دولة أم أزمة نظام؟

كتب صلاح الهوني فيي صحيفة العرب.
ليبيا تعاني من غياب الحوكمة الفاعلة بكل تجلياتها: لا فصل حقيقياً بين السلطات ولا رقابة مجتمعية جادة ولا قضاء مستقل بما يكفي لمحاسبة كبار المفسدين.
عندما تصدر منظمة الشفافية الدولية تقريرها السنوي عن مدركات الفساد، فإن الأرقام الواردة فيه نادراً ما تمر مرور الكرام، لكن ما حدث مع تصنيف ليبيا لعام 2025 الذي نشر مؤخرا، كان مختلفاً. فباحتلالها المرتبة 177 من أصل 182 دولة، لم تعد ليبيا في ذيل القائمة فحسب، بل صارت في مصاف دول لا تتوفر فيها حتى الحدود الدنيا من الحوكمة. الرقم الصاعقة؛ لم يصدم الليبيين لأنهم فوجئوا بالفساد، بل لأنهم وجدوا معاناتهم اليومية مؤطرة برقم دولي بات من المستحيل إنكاره أو الالتفاف عليه. بين ليلة وضحاها، تحوّل مؤشر مدركات الفساد من ورقة تصنيف إلى صورة لوطن يغرق في وحل النهب المنظّم، وسؤال بات يتردد في المجالس الليبية وفي منصات التواصل: هل هذا التصنيف ظلم دولي آخر يلحق بليبيا، أم كشف رسمي عن حقيقة يعيشها الناس كل صباح حين يستيقظون على انقطاع الكهرباء وغلاء السلع وغياب الدولة؟
ما إن انتشر الخبر حتى اشتعلت منصات التواصل الليبية بنقاشات لم تخلُ من مرارة عميقة. لم يكن النقاش دفاعياً كما قد يتوقع المرء؛ لم يخرج ناشط ليبي واحد ليقول إن المؤشر مجحف أو إنه نتاج مؤامرة غربية. العكس هو ما حدث. كان الإعلاميون والنشطاء المدنيون الليبيون الأكثر قسوة في قراءة التصنيف، والأكثر مباشرة في ربطه بالواقع. بعضهم كتب منشورات قصيرة تقول “أخيراً صار للوجع رقم”، وآخرون أعادوا نشر تفاصيل القضايا الفاسدة التي كُشف عنها في الأشهر الأخيرة وكأنهم يقولون للعالم: نحن لسنا ضحايا تصنيف، نحن ضحايا واقع يفضحنا كل يوم. ولعل التعليق الأكثر قدرة على التقاط المزاج العام حين وصف ناشط ليبي التصنيف بأنه “كشف رسمي عن حقيقة مرّة طالما أخفاها السياسيون خلف خطابات الوطنية والمقاومة”. لم يكن هذا التصنيف إذن فضيحة بقدر ما كان اعترافاً متأخراً بما يعرفه الليبيون عن بلدهم: أن الفساد لم يعد مجرد سلوك فردي يمكن محاسبته، بل تحوّل إلى بنية اجتماعية وسياسية متكاملة.
ما يريد الليبيون قوله اليوم وهم يرون بلدهم في المرتبة 177 عالمياً أن الألم ليس في الرقم بل في ما يكشفه هذا الرقم عن انهيار متعدد الأبعاد
هذه البنية المأزومة هي ما حاول رئيس ديوان المحاسبة الليبي، خالد شكشك، تفكيكها في تصريحه اللافت عقب صدور التصنيف الدولي. فقد تجنّب لغة الإنكار أو التبرير، واختار أن يقدّم قراءة مباشرة وصريحة لأسباب تفاقم الفساد: الانقسام السياسي الذي شطر مؤسسات الدولة، وتهريب المحروقات الذي يجري على نحو شبه علني، وتجارة البشر التي تحولت إلى نشاط منظم يدر أرباحًا لشبكات متنفذة، إضافة إلى الانفلات الأمني الذي جعل مناطق واسعة خارج سيطرة القانون. بهذا الطرح، بدا شكشك وكأنه يضع يده على جوهر الأزمة، مؤكّدًا أن مواجهة الفساد في ليبيا لا يمكن أن تبدأ إلا بالاعتراف بحجمه وتعقيداته.
التحليل كان بمثابة اعتراف من داخل المؤسسة أن الفساد الليبي ليس مجرد تجاوزات هنا وهناك، بل هو نتاج انهيار شبه كامل للدولة الموحدة. ففي غياب سلطة مركزية قادرة على مراقبة الحدود والموانئ، وفي ظل اقتصاد ريعي كامل العزلة عن المواطن، حيث النفط هو المورد الوحيد وهو أبعد ما يكون عن رقابة المجتمع، يصبح الفساد هو القاعدة لا الاستثناء. حين لا يكون هناك عقد اجتماعي حقيقي بين الحاكم والمحكوم، بل مجرد ترتيبات مؤقتة تهدف إلى إدارة الأزمة لا حلها، فإن المال العام يصبح غنيمة لمن استطاع إليه سبيلا.
ولعل أكثر ما أثار سخرية الليبيين في الأيام التي تلت التصنيف هو ذلك التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي والواقع. صور احتفالات الحكومة باليوم العالمي لمكافحة الفساد كانت لا تزال عالقة في الأذهان، تلك الاحتفالات التي تضمنت كلمات حماسية عن الشفافية والنزاهة، وتوزيع دروع تكريمية على مسؤولين بعضهم بات اليوم متهماً في قضايا فساد كبرى. هذا التناقض لم يعد مجرد مادة للسخرية على فيسبوك، بل صار دليلاً إضافياً على أن الأزمة ليست في غياب الوعي بمخاطر الفساد، بل في غياب الإرادة السياسية الحقيقية لمواجهته. كيف يمكن لمواطن ليبي أن يصدق جدية مكافحة الفساد وهو يرى أن النيابة العامة كشفت في الأشهر الأخيرة عن قضايا تهريب مخدرات ووقود بمساعدة مسؤولين كبار، دون أن يلمس أي تحرك حقيقي على الأرض؟ كيف يمكنه أن يثق بمؤسسات الدولة وهو يعلم أن الكثير من المليشيات التي تسيطر على المقدرات اليوم هي نفسها التي كانت بالأمس تحارب باسم الثورة أو باسم الوطنية؟
تقرير صادر عن منظمة The Sentry في نوفمبر 2025 كشف أن قادة سياسيين وعسكريين في الشرق والغرب، لعبوا دورًا مباشرًا في تهريب الوقود على نطاق واسع بين 2022 و2024، ما كلف ليبيا نحو 6.7 مليار دولار في عام واحد.
ولكن، لماذا نصر على توجيه أصابع الاتهام نحو الحكومات وحدها؟ المؤشر لا يدين الحكومة المنتهية ولا الحكومة القادمة، بل يدين المنظومة بكاملها. البرلمان الذي يفترض أن يكون رقيباً على السلطة التنفيذية منشغل بصراعاته الداخلية وتشريعاته التي كثيراً ما تخدم أطرافاً دون أخرى. مكتب النائب العام يمتلك ملفات فساد ضخمة لكنه عاجز عن تحريكها في غياب إرادة سياسية موحدة. ديوان المحاسبة ينشر تقاريره لكن لا أحد يقرؤها أو ينفذ توصياتها. المؤسسات السيادية الليبية الكبرى ليست ضحية الفساد فقط، بل هي في كثير من الأحيان جزء من معادلة إنتاج وإعادة إنتاج الفساد. ليبيا تعاني من غياب الحوكمة الفاعلة بكل تجلياتها: لا فصل حقيقياً بين السلطات، لا رقابة مجتمعية جادة، لا قضاء مستقل بما يكفي لمحاسبة كبار المفسدين. في هذه البيئة، يصبح الفساد هو الحاكم الفعلي، والسياسيون مجرد واجهات.
أكثر ما أثار سخرية الليبيين في الأيام التي تلت التصنيف هو التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي وصور احتفالات الحكومة باليوم العالمي لمكافحة الفساد العالقة في الأذهان
لكن كل هذه العوامل تتغذى من مصدر رئيسي واحد لا يمكن تجاوزه: الانقسام السياسي الذي يشلّ ليبيا منذ أكثر من عقد. وجود حكومتين متنافستين، لم يعد مجرد أزمة سياسية عادية، بل تحوّل إلى آلية ممنهجة لتجذير الفساد. كل حكومة تمتلك شرعيتها النسبية، كل حكومة تمتلك مواردها ومؤسساتها وجهازها الإعلامي، وكل حكومة تجد في اتهام الطرف الآخر بالفساد مبرراً لاستمرارها وتوسعها. في هذا الاستقطاب، يضيع المال العام بين كيانين متناحرين، كلاهما ينفق باسم الدولة ولا أحد منهما يخضع لمساءلة حقيقية. الأكثر مأساوية أن الانقسام لم يعد مجرد انقسام جغرافي، بل صار انقساماً في مفهوم الدولة نفسه: الدولة في ليبيا اليوم ليست كياناً مستقلاً عن الفاعلين السياسيين والعسكريين، بل هي مجموع المصالح التي يسيطر عليها هؤلاء. في هذه المعادلة، كل محاولة جادة لمكافحة الفساد ستظل مرهونة بقدرتها على تجاوز الانقسام، وكل تأجيل لحل سياسي شامل هو حكم باستمرار ليبيا في ذيل القوائم الدولية.
ما يريد الليبيون قوله اليوم، وهم يرون بلدهم في المرتبة 177 عالمياً، أن الألم ليس في الرقم بل في ما يكشفه هذا الرقم عن انهيار متعدد الأبعاد. الفساد في ليبيا لم يعد مجرد سرقة أموال عامة، بل تحوّل إلى فلسفة حكم وإدارة. حين تصبح صيانة مستشفى مشروعاً لنهب الميزانية، وحين تصبح حماية الحدود فرصة لتجارة البشر، وحين يصبح استيراد الغذاء غطاء لتهريب العملة، فإن المواطن الليبي لا يواجه فساداً يمارسه أفراد منحرفون، بل نظاماً قائماً بذاته له مصلحة في استمرار الفوضى وغياب المحاسبة. هذه هي المرارة الحقيقية التي لا تستطيع أي تصريحات رسمية تفاؤلية إزاحتها: أن من يفترض بهم حماية الدولة هم أنفسهم من ينهبونها، وأن من يتحدثون باسم الإصلاح هم أنفسهم من يعيقونه.
ليبيا اليوم ليست فقط في ذيل مؤشر مدركات الفساد، بل في اختبار صعب. يمكنها أن تبقى أسيرة هذه الحلقة المفرغة: فساد يغذيه الانقسام، وانقسام يغذيه الفساد، ومؤسسات عاجزة عن كسر هذه المعادلة لأنها جزء منها. ويمكنها، إذا توفرت إرادة داخلية حقيقية وضغط شعبي منظم، أن تبدأ رحلة استعادة الدولة من قبضة المفسدين. لكن هذه الرحلة لا تبدأ بإصدار قوانين جديدة أو بتشكيل لجان تحقيق عابرة، بل باعتراف جريء بأن الأزمة ليست في ضعف القوانين بل في غياب من يطبقها، ليست في قلة الكفاءات بل في هيمنة الولاءات، ليست في فقر الموارد بل في نهبها. لقد بات الليبيون يدركون أن الفساد ليس مجرد تحدٍّ من التحديات التي تواجه بلدهم، بل هو جوهر الأزمة ومفتاح كل الأزمات الأخرى. وهم يدركون أيضاً أن لا خلاص دون دولة موحدة، ومؤسسات رقابية قوية، وقضاء مستقل، ومواطن يدرك أن المال العام ليس غنيمة بل أمانة. حين يتحقق ذلك، سيكون تحسّن التصنيف الدولي مجرد نتيجة ثانوية لتحسّن الحياة اليومية، لا العكس. حتى ذلك اليوم، سيبقى الرقم 177 يشوه صورة ليبيا في العالم، وحكاية يراها الليبيون كل صباح.




