خاصأبرزرأي

الدعم الدولي للجيش يتجاوز المساعدات

حسين زلغوط, خاص ـ رأي سياسي:

يتعاطى المجتمع الدولي في هذه الآونة مع الجيش اللبناني بوصفه المؤسسة الوطنية الأكثر قدرةً على حفظ التوازن الداخلي ومنع انزلاق البلاد إلى مزيدٍ من الفوضى. وفي هذا السياق، اكتسبت اللقاءات التي عقدها قائد الجيش العماد رودولف هيكل مع سفراء هولندا وبلجيكا وكندا وأستراليا، أمس، في اليرزة، أهميةً خاصة، ليس فقط لأنها حملت رسائل تضامن مع المؤسسة العسكرية، بل لأنها عكست حجم الرهان الدولي على الجيش باعتباره الركيزة الأساسية للاستقرار في لبنان.

فالدعم الذي أبدته هذه الدول يأتي في توقيتٍ دقيق يواجه فيه لبنان تحدياتٍ أمنيةً وسياسيةً متشابكة، تتداخل فيها تداعيات الحرب الإسرائيلية على الجنوب مع الضغوط الاقتصادية والانقسامات الداخلية، فضلًا عن الاستحقاقات المرتبطة بتنفيذ اتفاق “الإطار” وما يتطلبه من ترتيباتٍ أمنيةٍ وميدانيةٍ معقدة.

ولم يعد الاهتمام الدولي بالمؤسسة العسكرية يقتصر على تقديم المساعدات اللوجستية أو التدريب والتجهيز، بل بات يعكس رؤيةً أوسع تعتبر أن الحفاظ على تماسك الجيش يمثل شرطًا أساسيًا لمنع انهيار الدولة اللبنانية. فالتجارب التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية أثبتت أن تفكك المؤسسات العسكرية يفتح الباب أمام الفوضى الأمنية وتصاعد التوترات الداخلية، وهو سيناريو لا ترغب الدول الصديقة في رؤيته يتكرر في لبنان.

ومن هذا المنطلق، يكتسب الجيش اللبناني مكانةً استثنائيةً لدى المجتمع الدولي، بعدما نجح طوال السنوات الماضية في المحافظة على وحدته الوطنية، رغم الانهيار المالي الذي انعكس بصورةٍ مباشرة على أوضاع العسكريين المعيشية. ورغم محدودية الإمكانات، استمر الجيش في تنفيذ مهامه على امتداد الأراضي اللبنانية، سواء في مكافحة الإرهاب، أو حفظ الأمن الداخلي، أو الانتشار في الجنوب، أو مواكبة الاستحقاقات الوطنية الكبرى.

كما أن المرحلة الحالية تضفي بُعدًا إضافيًا على دور المؤسسة العسكرية، في ظل الحديث المتزايد عن ترتيباتٍ أمنيةٍ مرتبطةٍ بالجنوب اللبناني وتطبيق اتفاق “الإطار”، حيث يُنظر إلى الجيش باعتباره الجهة الوطنية القادرة على تنفيذ الالتزامات التي تقع على عاتق الدولة، بالتنسيق مع الجهات الدولية المعنية، وبما يحفظ السيادة اللبنانية ويمنع أي فراغٍ أمني قد تستفيد منه إسرائيل لتبرير استمرار احتلالها واعتداءاتها أو توسيع نطاق عملياتها.

وتدرك العواصم الغربية أن نجاح أي خطةٍ سياسيةٍ أو أمنيةٍ في لبنان يبقى مرتبطًا بقدرة الجيش على الاضطلاع بدوره كاملًا، وهو ما يفسر استمرار تدفق برامج الدعم العسكري والتقني والإنساني للمؤسسة، سواء عبر المساعدات المباشرة أو من خلال برامج التدريب والتأهيل وتطوير القدرات العملياتية.

وفي المقابل، يحمل هذا الدعم رسائل سياسيةً واضحة تؤكد تمسك المجتمع الدولي باستمرار الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، ورفض أي محاولاتٍ لإضعافها أو تجاوزها. فالجيش لا يمثل مجرد قوةٍ أمنية، بل يشكل عنوانًا لوحدة اللبنانيين، وإحدى المؤسسات القليلة التي ما زالت تحظى بثقةٍ داخليةٍ وخارجيةٍ في آنٍ واحد.

ولا شك أن استمرار هذا الدعم الدولي سيبقى مرتبطًا بقدرة لبنان على استثمار هذه الثقة، عبر تعزيز دور المؤسسات الدستورية، وإطلاق الإصلاحات المطلوبة، وتوفير البيئة السياسية التي تسمح للجيش بالقيام بمهامه بعيدًا عن التجاذبات والانقسامات.

كما أن اللقاءات الدبلوماسية الأخيرة في اليرزة تؤكد أن الجيش اللبناني لا يزال يحتل موقعًا محوريًا في الحسابات الدولية المتعلقة بمستقبل لبنان، فالدول الصديقة ترى فيه الضامن الأول للاستقرار، والشريك الأساسي في تنفيذ أي ترتيباتٍ أمنيةٍ مقبلة، والعنوان الذي يمكن البناء عليه للحفاظ على وحدة الدولة وسط العواصف التي تضرب المنطقة. ومن هنا، فإن الاستثمار في المؤسسة العسكرية لم يعد مجرد دعمٍ لجيشٍ وطني، بل أصبح استثمارًا مباشرًا في أمن لبنان واستقراره ومستقبله.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى