رأي

الدبلوماسية الكويتية ثبات وحكمة

أ. د. فيصل الشريفي – الجريدة الكويتية:

يعود بروز مفهوم العلاقات الدبلوماسية إلى بداية نشأة الحضارات القديمة، إلّا أنه أخذ بُعداً أكثر تنظيماً في الحضارة الإسلامية والصينية، لكنّه كمفهوم مؤسسي بدأ في أوائل القرن السادس عشر على يد الفرنسيين، حيث أنشئت أول وزارة للخارجية، وفي أوائل القرن الثامن عشر كانت الانطلاقة الحقيقية لوزارات الخارجية في أوربا وبقية دولة العالم. في عام 1961 أُسّست وزارة الخارجية الكويتية، وقد تولى حقيبتها سمو الأمير الراحل الشيخ صباح السالم في يناير 1962، وبعد عام تم تعيين الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد، الذي لُقّب بعميد الدبلوماسية العالمية. من أهم الأدوار التي تمثّلها وزارة الخارجية وسفاراتها هو تعزيز التعاون وبناء الجسور الثقافية والاقتصادية ورعاية مصالح مواطنيها وحماية مصالح الوطن، إلّا أن هذا الدور يتعاظم في إدارة الأزمات بزمن الحروب. أثناء الحرب الأميركية – الإسرائيلية – الإيرانية كان هناك نشاط دبلوماسي محموم يهدف إلى وقف الحرب وتجنيب المنطقة والعالم ويلات استمرارها، لذلك برز دور الوسيط الباكستاني والقطري بشكل لافت، واستطاعا أن يجمعا الطرفان على طاولة المفاوضات، بينما العالم كلّه كان يترقب حربا شاملة مدمرة على قرار الحربين العالميتين الأولى والثانية. نجاح الوساطة الباكستانية – القطرية لم يأتِ من فراغ، فلولا دعم الدول الخليجية والعربية والإسلامية وانخراطها في توفير المناخ والظروف الملائمة لما كُلّلت مساعيهما بالنجاح. الكويت ودول مجلس التعاون الخليجي نالهم النصيب الأكبر من الضرر، ومع ذلك أبقوا نافذة الحل الدبلوماسي مفتوحة أمام الجميع من خلال اتباع سياسة ضبط النفس والتحلّي بالحكمة. المتابع لسياسة وزارة الخارجية يدرك أنها سلكت مسارين، الأول قانوني وثّقت فيه كل الأضرار التي تعرّضت لها دولة الكويت من خلال القنوات الرسمية والدبلوماسية، والمسار الثاني دبلوماسي من خلال دعم المبادرة التي قامت بها باكستان وقطر. دائماً ما يتّسم أداء وزارة الخارجية الكويتية في الفترات الاستثنائية، وفي هذه المرحلة تحديداً بالعمل المؤسسي الهادئ، بعيداً عن الزخم الإعلامي، مع الالتزام العملي بالقرار الخليجي الموحد. هذا النهج، الذي يُقرأ كسياسة حيادية وداعمة للاستقرار، قوبل بانتقادات من بعض الأطراف التي رأت في موقف الكويت نوعاً من التردد، متجاهلة التكاليف الاقتصادية والأمنية الباهظة التي تترتب على استمرار مثل هذه الحروب، سواء على المستوى الإقليمي أو لكل دولة على حدة. واقع الحال أن سياسة ضبط النفس لا تعكس ضعفاً في الموقف، بل تمثّل تقديراً موضوعياً للمخاطر، فالنجاح الدبلوماسي الحقيقي يُقاس بقدرة الدولة على حماية مصالحها وتقليل الخسائر إلى أقصى حدّ ممكن، وهو معيار أثبتته سوابق تاريخية كان لدولة الكويت حضور لافت في العديد الأزمات التي شهدتها المنطقة. ختاماً، يبرز دور الوزارة بوضوح في أوقات النزاع تحديداً، حيث تزداد الحاجة إلى استخدام الدبلوماسية في احتواء الأزمات وإدارة تداعياتها، بعيداً عن التعامل الانفعالي، و»الخارجية» الكويتية نجحت في ذلك، وكيف لا وهي صاحبة إرث وتاريخ وثقافة دبلوماسية يشهد بها القاصي والداني.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى