الخلاف الحوثي السعودي: بين أمن المملكة ومشروع النفوذ الإيراني

خاص – موقع “رأي سياسي”:
خلاف يتجاوز البعد المذهبي
لا يمكن فهم الخلاف بين جماعة الحوثيين والمملكة العربية السعودية باعتباره مجرد اختلاف مذهبي أو نزاع ديني، بل ينبغي النظر إليه في سياق أوسع يرتبط بأمن المنطقة، ومستقبل الدولة اليمنية، وتوازنات النفوذ الإقليمي. فالمواجهة التي تصاعدت خلال السنوات الماضية لم تنشأ بسبب الانتماء المذهبي وحده، وإنما نتيجة تحولات سياسية وعسكرية وضعت أمن المملكة واستقرار اليمن أمام تحديات متشابكة.
من حركة دينية إلى قوة سياسية وعسكرية
تنتمي جماعة الحوثيين، المعروفة باسم «أنصار الله»، إلى المذهب الزيدي الذي يمتلك جذوراً تاريخية عميقة في شمال اليمن. غير أن الحركة تجاوزت الإطار الديني والاجتماعي الذي انطلقت منه، وتحولت إلى قوة سياسية وعسكرية تسعى إلى تثبيت سلطتها وفرض موقعها في المعادلة اليمنية. ولذلك، فإن اختزال الخلاف مع السعودية في البعد العقائدي لا يفسر طبيعة الصراع ولا يوضح الأسباب الفعلية التي دفعت المملكة إلى التعامل معه باعتباره تهديداً لأمنها الوطني.
أمن المملكة في مواجهة التهديدات الحوثية
شكّلت سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، ثم تقدمهم العسكري في مناطق يمنية أخرى، نقطة تحول أساسية في مسار الأزمة. ومع تدخل التحالف بقيادة السعودية عام 2015 دعماً للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، دخل الصراع مرحلة جديدة، أصبحت فيها الحدود السعودية عرضة للتهديدات والهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة. ومن هذا المنطلق، تنظر الرياض إلى حماية أراضيها وسكانها باعتبارها مسؤولية سيادية لا يمكن فصلها عن أي تسوية مستقبلية في اليمن.
الدور الإيراني وتوسّع دائرة الصراع
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الدور الإيراني في تطور قدرات الحوثيين. فقد أدى الدعم الإيراني العسكري والتقني إلى تعزيز إمكانات الجماعة، وأثار مخاوف متزايدة من تحول اليمن إلى ساحة تُستخدم للضغط على المملكة وتهديد أمن الخليج والممرات البحرية الحيوية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي لليمن، المشرف على البحر الأحمر وباب المندب، وما يمثله ذلك من تأثير في حركة التجارة الدولية وأمن الطاقة.
الحوثيون بين الحسابات المحلية والارتباطات الإقليمية
ومع ذلك، فإن التعامل مع الحوثيين باعتبارهم مجرد امتداد لإيران لا يكفي لفهم المشهد اليمني بكل تعقيداته. فالجماعة تمتلك جذوراً محلية وقواعد نفوذ ومصالح خاصة، لكنها ترتبط في الوقت نفسه بحسابات إقليمية تتجاوز حدود اليمن. وهذه المعادلة تجعل أي تسوية مستدامة مرتبطة بقدرة الأطراف المعنية على الحد من التدخلات الخارجية، وضمان ألا تتحول الأراضي اليمنية إلى منصة لتهديد الدول المجاورة.
التهدئة السعودية واختبار الضمانات الأمنية
في المقابل، أظهرت المملكة العربية السعودية استعداداً للبحث عن حلول سياسية تخفف التصعيد وتفتح الطريق أمام الاستقرار. وقد شكّلت الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة عام 2022، والاتصالات التي جرت بين الرياض والحوثيين عام 2023، محطتين مهمتين في مسار البحث عن تسوية. لكن التهدئة لا تعني أن أسباب الأزمة قد انتهت، كما أن خفض مستوى المواجهة لا يكفي وحده لضمان أمن المملكة ما لم تقترن أي تفاهمات بالتزامات واضحة تمنع استهداف أراضيها وتحد من القدرات العسكرية المستخدمة عبر الحدود.
البحر الأحمر والتوازنات الإقليمية
وتزداد أهمية هذه الضمانات في ظل التوترات الإقليمية التي تجعل الساحة اليمنية مرتبطة بتطورات تتجاوزها، من العلاقة بين إيران ودول الخليج إلى أمن البحر الأحمر وتداعيات الحروب في المنطقة. فاستقرار اليمن ليس مصلحة سعودية فحسب، بل ضرورة إقليمية ودولية، وأي تصعيد جديد قد ينعكس على الملاحة والتجارة والاستقرار الاقتصادي في محيط أوسع.
لا تسوية مستدامة من دون حل الأزمة اليمنية
وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل مستقبل العلاقة السعودية الحوثية عن الأزمة الداخلية اليمنية. فاستمرار الانقسام، وتعدد مراكز القوة، وتعثر بناء مؤسسات الدولة، عوامل تجعل التسوية أكثر صعوبة. ومن هنا، فإن الحل لا ينبغي أن يقتصر على تفاهم أمني بين الرياض والحوثيين، بل يجب أن يفتح المجال أمام عملية سياسية يمنية تضمن مشاركة القوى المختلفة، وتحفظ مؤسسات الدولة، وتمنع احتكار القرار الوطني من أي طرف.
أمن المملكة مفتاح لاستقرار المنطقة
في المحصلة، لا يتمثل جوهر الخلاف بين الحوثيين والسعودية في الانتماء المذهبي بحد ذاته، بل في تداعيات المشروع السياسي والعسكري للحوثيين على أمن المملكة ومستقبل اليمن والتوازن الإقليمي. فالسعودية معنية بحماية حدودها ومنع تهديد أراضيها، كما أن استقرار اليمن يتطلب وقف الهجمات، والحد من التدخلات الخارجية، والتوصل إلى تسوية سياسية قابلة للاستمرار.
ويبقى التحدي الأساسي هو تحويل التهدئة إلى سلام فعلي، يقوم على ضمانات أمنية واضحة واحترام سيادة الدول، ويمنح اليمنيين فرصة استعادة دولتهم بعيداً عن الصراعات بالوكالة. فالتسوية التي لا تعالج أسباب التهديد ولا تضمن عدم تكرار المواجهة قد تؤجل الأزمة، لكنها لن تضع حداً لها.




