أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: 4 آب… والعدالة

في الرابع من آب من كل عام، تتوقف الساعة عند السادسة وسبع دقائق مساءً، لحظة وقوع الانفجار في مرفأ بيروت، وكأن الزمن قرر أن يُبقي ذلك الجرح مفتوحًا، شاهدًا على واحدة من أكبر الكوارث التي عرفها لبنان في تاريخه الحديث. إنه اليوم الذي لم يكن مجرد انفجار هز العاصمة، بل زلزالًا غيّر ملامح مدينة بيروت.

في تلك اللحظات، سقطت أحلام آلاف العائلات، وتهدمت منازل كانت تضج بالحياة، وغابت وجوه لن تعود، فيما بقيت صور الضحايا معلقة في ساحة المرفأ وفي الشوارع والأبنية المحيطة، تُذكّر اللبنانيين بأن هناك جريمة لم يطوها الزمن، وأن العدالة ما زالت تنتظر موعدها.

ست سنوات مرت، لكن الرابع من آب لم يتحول إلى ذكرى عابرة. إنه تاريخ محفور في الوجدان اللبناني، لأن الألم الذي خلّفه لم يكن عابرًا، ولأن الخسارة كانت أكبر من أن تُقاس بالأرقام. فكل شهيد ترك خلفه عائلة تعيش على أمل أن تعرف الحقيقة كاملة، وأن ترى العدالة تتحقق بعيدًا عن الحسابات السياسية والتجاذبات.

لقد كشف انفجار المرفأ هشاشة الدولة، وأظهر حجم الخلل الذي تراكم على مدى عقود في الإدارة والرقابة والمحاسبة، وأثبت أن الإهمال، عندما يقترن بالفساد وغياب المسؤولية، قد يتحول إلى كارثة وطنية لا تقل فتكًا عن الحروب. لذلك، لم يكن الرابع من آب مجرد حادث مأساوي، بل محطة مفصلية دفعت اللبنانيين إلى إعادة طرح الأسئلة الكبرى حول مفهوم الدولة، وسيادة القانون، وحق المواطن في الأمن والحياة.

ورغم كل ما أصاب العاصمة، أثبتت بيروت أنها مدينة لا تعرف الاستسلام، فمن بين الركام، نهض أبناؤها لإزالة الأنقاض، وترميم البيوت، وإعادة الحياة إلى الأحياء التي تحولت، في لحظات، إلى ساحات دمار. وكانت تلك المشاهد رسالة واضحة بأن إرادة اللبنانيين أقوى من الكارثة، وأن الإنسان اللبناني قادر على تحويل الألم إلى قوة، واليأس إلى أمل، والانكسار إلى بداية جديدة.

غير أن إعادة إعمار الحجر تبقى ناقصة ما لم تترافق مع إعادة بناء الثقة بالدولة ومؤسساتها، فلا يمكن لأي مدينة أن تشفى بالكامل إذا بقيت الحقيقة غائبة، وإذا بقيت العدالة مؤجلة. فحق الضحايا وذويهم لا يسقط بتقدم الزمن، وذاكرة الشعوب لا تُمحى، مهما طال الوقت أو تبدلت الظروف.

في كل عام، يعود الرابع من آب ليذكّر اللبنانيين بأن الوطن لا يقوم إلا على الحقيقة، وأن العدالة ليست مطلبًا لعائلات الضحايا وحدها، بل هي الضمانة الوحيدة لعدم تكرار المأساة. فالدول تُبنى بالمحاسبة، وتنهض بالشفافية، وتحمي أبناءها عندما تجعل القانون فوق الجميع.

سيبقى هذا التاريخ صفحة دامية في ذاكرة لبنان واللبنانيين، لكنه سيبقى أيضًا عنوانًا لصمود بيروت، هذه المدينة التي نزفت كثيرًا، لكنها لم تنحنِ، والتي علّمت العالم أنه من قلب الألم يولد الرجاء. أما الشهداء، فسيبقون أمناء على ذاكرة الوطن، وشهودًا على أن الحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تموت.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى