أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: مسيحيو الجنوب يواجهون الفتنة

في كل محطة تشهد فيها الحدود الجنوبية تصعيدًا عسكريًا، تعود إسرائيل إلى استخدام أدوات الحرب النفسية والسياسية، في محاولة لإحداث شرخ داخل المجتمع اللبناني. وهذه المرة، تمثلت المحاولة في الترويج لمزاعم تتحدث عن رغبة قرى ذات غالبية مسيحية في الشريط الحدودي بالانضمام إليها، في رواية أثارت استغرابًا واسعًا، وسرعان ما سقطت أمام المواقف الواضحة والصريحة الصادرة عن أبناء تلك القرى وفعالياتها، الذين أكدوا تمسكهم بلبنان ورفضهم المطلق لأي ادعاءات تستهدف هويتهم الوطنية.

ولم يكن توقيت هذه المزاعم منفصلًا عن المشهد القائم في الجنوب، حيث تتواصل الاعتداءات الإسرائيلية وعمليات التدمير والتجريف التي تطاول القرى والبلدات الحدودية، في محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض وإضعاف مقومات الحياة فيها.

ومع تعذر تحقيق إسرائيل أي أهداف سياسية أو ميدانية، تبدو الحرب النفسية خيارًا مكمّلًا، يقوم على بث الشائعات وإثارة الهواجس الطائفية والمناطقية، بما يؤدي إلى ضرب الثقة بين اللبنانيين وإشغالهم بصراعات داخلية.

غير أن الرد جاء سريعًا وحاسمًا، إذ أكدت المرجعيات الدينية والبلدية والاجتماعية في القرى المعنية أن ما يتم تداوله لا يمت إلى الحقيقة بصلة، وأن أبناء هذه البلدات كانوا، ولا يزالون، جزءًا أصيلًا من النسيج الوطني اللبناني، وقد دفعوا أثمانًا باهظة خلال سنوات الاحتلال والاعتداءات، ولم يبدّلوا يومًا انتماءهم أو خياراتهم الوطنية.

وفي هذا السياق، اكتسبت إشادة رئيس مجلس النواب، نبيه بري، بمواقف فعاليات هذه القرى أهمية خاصة؛ لأنها حملت رسالة تتجاوز حدود الرد على ادعاء إعلامي، لتؤكد أن الجنوب، بمسلميه ومسيحييه، يشكل وحدةً اجتماعيةً ووطنيةً متماسكةً، وأن محاولات الاستثمار في التنوع اللبناني لإحداث انقسام داخلي لن تجد البيئة التي تسمح لها بالنجاح.

فالقرى الحدودية لم تكن يومًا جزرًا معزولةً عن محيطها، بل شكلت نموذجًا للتعايش والشراكة، حيث امتزجت العلاقات الاجتماعية والمصالح المشتركة والتاريخ الواحد في مواجهة الاحتلال والاعتداءات المتكررة. وقد أثبتت التجارب السابقة أن أبناء الجنوب، على اختلاف انتماءاتهم الدينية، كانوا في خندق واحد عندما تعلق الأمر بالدفاع عن أرضهم والحفاظ على سيادة وطنهم.

وتدرك إسرائيل أن أي تماسك داخلي لبناني يحدّ من قدرتها على فرض وقائع سياسية جديدة، لذلك تلجأ، بين الحين والآخر، إلى خطاب يقوم على استغلال الخصوصيات الطائفية والمناطقية، أملًا في خلق انقسامات تضعف الموقف اللبناني، إلا أن هذا الرهان يصطدم في كل مرة بحقيقة راسخة، مفادها أن الانتماء الوطني يبقى أقوى من كل محاولات التشويه، وأن أبناء القرى الحدودية يدركون تمامًا خطورة الانجرار خلف دعايات تستهدف وحدتهم قبل أي شيء آخر.

واليوم، تبدو الرسالة التي خرجت من الجنوب أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، ومفادها أنه لا مكان للمشاريع التي تقوم على التقسيم أو الإلحاق أو العبث بالهوية الوطنية. فالقرى التي صمدت في وجه الاحتلال والحروب لن تكون مدخلًا إلى فتنة داخلية، بل ستبقى عنوانًا للتمسك بالأرض والدولة والوحدة الوطنية. وبين محاولات بث الشائعات ومواقف الأهالي الواضحة، تتأكد مرةً جديدةً حقيقةٌ أن الجنوب ليس مجرد مساحة جغرافية، بل هو مساحة جامعة لكل اللبنانيين، وأن وحدته الداخلية تمثل أحد أهم عناصر القوة في مواجهة أي مشروع يستهدف لبنان أو يسعى إلى تفكيك نسيجه الوطني.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى