أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: مرحلة جديدة بين لبنان وسوريا

فتحت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى دمشق ولقاؤه الرئيس السوري أحمد الشرع في قصر الشعب، الباب أمام تساؤلات واسعة حول إمكان ولادة مرحلة جديدة في العلاقات اللبنانية ـ السورية، بعد سنوات طويلة من التوتر والتباعد والتجاذبات السياسية التي طبعت العلاقة بين البلدين.

الزيارة لم تكن بروتوكولية فحسب، بل حملت، في توقيتها ومضمونها، رسائل سياسية واضحة، خصوصًا مع الحديث المتزايد عن “لبنان جديد” و”سوريا جديدة”، في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة ومحاولات إعادة ترتيب العلاقات العربية ـ العربية على أسس مختلفة عما كان سائدًا خلال العقود الماضية. ومن هنا، فإن اللقاء بين سلام والشرع اكتسب أهمية تتجاوز البعد الثنائي التقليدي، ليعكس رغبة مشتركة في إعادة صياغة العلاقة بين البلدين وفق قواعد تقوم على السيادة المتبادلة والمصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

الكلام الصادر عن الرئيس السوري حول وقوف دمشق إلى جانب الحكومة اللبنانية ودعمها الكامل لها يحمل دلالات سياسية مهمة، خصوصًا أنه جاء مقرونًا بالتأكيد على الاحترام المتبادل وتعزيز التعاون الأخوي والاستراتيجي، وهي عبارات بدت وكأنها محاولة لتكريس خطاب جديد يختلف عن مراحل سابقة كانت العلاقة فيها محكومة بحسابات النفوذ والتداخل الأمني والسياسي.

لبنان، الغارق في أزماته السياسية والمالية والاجتماعية، وما هو ناجم عن العدوان الإسرائيلي المستمر، يحتاج إلى علاقات مستقرة مع محيطه العربي، وفي مقدمته سوريا التي تشكل بوابته البرية الوحيدة نحو العالم العربي. كما أن ملفات عديدة تفرض نفسها على أي حوار لبناني ـ سوري، من قضية الحدود وضبط المعابر، إلى ملف النازحين السوريين، وصولًا إلى التعاون الاقتصادي والتجاري وإعادة تنشيط حركة الترانزيت.

في المقابل، تبدو سوريا أيضًا معنية بإعادة ترميم علاقاتها مع لبنان الرسمي، في مرحلة تعمل فيها دمشق على تثبيت حضورها الإقليمي والانفتاح على الدول العربية، بعد سنوات من العزلة والحرب. ولذلك، فإن أي تفاهم مع بيروت قد يشكل مدخلًا لتعزيز الاستقرار الحدودي وتخفيف التوترات الأمنية والسياسية التي انعكست سلبًا على البلدين.

لكن، ورغم الإيجابية التي أحاطت بالزيارة، فإن الحديث عن فتح صفحة جديدة بشكل كامل يبقى مرتبطًا بمدى القدرة على ترجمة النوايا السياسية إلى خطوات عملية. فالعلاقات اللبنانية ـ السورية لطالما تأثرت بالتجاذبات الداخلية اللبنانية والانقسامات الإقليمية، ما جعل أي تقارب عرضة للاهتزاز عند أول منعطف سياسي أو أمني.

ومع ذلك، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن هناك محاولة جدية لإرساء مقاربة مختلفة للعلاقة بين البلدين، تقوم على المصالح المشتركة لا على الهيمنة، وعلى التعاون لا على الصدام. وإذا ما نجح الطرفان في تثبيت هذا المسار، فقد تكون زيارة سلام إلى دمشق بداية فعلية لمرحلة جديدة تطوي الكثير من إرث الماضي، وتفتح الباب أمام علاقة أكثر توازنًا واستقرارًا بين لبنان وسوريا.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى