افتتاحية اليوم: لبنان بين نار الحرب وشبح الفتنة

في ظل تصاعد وتيرة الحرب الإسرائيلية على لبنان وما تخلفه من تداعيات ميدانية وإنسانية قاسية، يبرز هاجس داخلي لا يقل خطورة عن وقع القذائف نفسها، يتمثل في احتمال انزلاق الساحة اللبنانية نحو فتنة داخلية تتغذى من الانقسامات السياسية والطائفية، وتُفاقمها الضغوط الاقتصادية والاجتماعية غير المسبوقة.
إن الحروب الخارجية غالباً ما تحمل في طياتها بذور اضطرابات داخلية، خصوصاً في الدول الهشة التي تعاني أصلاً من تصدعات بنيوية. وفي الحالة اللبنانية، تبدو الأرضية مهيأة لاهتزازات داخلية، نتيجة التراكمات المزمنة من الأزمات، بدءاً من الانهيار المالي، مروراً بالشلل السياسي، وصولاً إلى أزمة النزوح والتوترات الاجتماعية المتنامية.
ومع كل تصعيد عسكري، ترتفع حدة الخطاب الداخلي، وتتسع فجوة الثقة بين المكونات المختلفة. إن الخطر لا يكمن فقط في الانقسام السياسي، بل في تحوّله إلى احتكاكات شعبية على الأرض، قد تبدأ بخلافات محدودة، لكنها سرعان ما تتدحرج بفعل التحريض أو الشائعات أو الشعور بالغبن لدى فئات معينة.
فالحرب، بما تفرضه من ضغوط نفسية ومعيشية، تضع المجتمع في حالة توتر دائم، ما يجعل أي شرارة قابلة للتحول إلى نزاع أوسع. إلى جانب ذلك، يلعب العامل الاقتصادي دوراً حاسماً في تأجيج التوتر، فالفقر المتزايد وغياب فرص العمل وانهيار الخدمات الأساسية، كلها عناصر تدفع نحو الاحتقان، وتخلق بيئة خصبة للاستقطاب.
وفي ظل غياب الدولة الفاعلة القادرة على ضبط الإيقاع الداخلي، يصبح الشارع أكثر عرضة للفوضى والانفلات. كما أن تدفق النازحين من المناطق المتضررة، سواء من الداخل أو من خارج الحدود، قد يشكل ضغطاً إضافياً على المجتمعات المضيفة، ويعيد إحياء حساسيات قديمة، خاصة إذا ترافق مع خطاب سياسي شعبوي يستثمر في المخاوف والهواجس.
غير أن الانزلاق إلى فتنة داخلية ليس قدراً محتوماً، فالتجارب السابقة، على قسوتها، أظهرت أن هناك وعياً جماعياً لدى اللبنانيين بخطورة الانقسام، وأن كلفة الاحتراب الداخلي تفوق بكثير أي مكاسب آنية. هذا الوعي، إن تم تعزيزه بخطاب مسؤول وإجراءات تهدئة، يمكن أن يشكّل صمام أمان يمنع الانفجار.
وعلى الرغم من كل ذلك، تبقى الحرب الإسرائيلية عاملاً ضاغطاً ومؤثراً على الداخل اللبناني، لكن خطورتها الحقيقية تكمن في قدرتها على تفجير التناقضات الكامنة.
وبين احتمال الانزلاق إلى الفتنة وإمكانية احتوائها، يقف لبنان عند مفترق دقيق، حيث تصبح المسؤولية مشتركة بين القوى السياسية والمجتمع، لتفادي سيناريو قد يكون أشد وطأة من الحرب نفسها.




