أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: صوت الصواريخ.. وبطء الدبلوماسية

عادةً، في الحروب لا تسير الجبهات العسكرية والمسارات الدبلوماسية بالوتيرة نفسها، وغالباً ما تكون السياسة في موقع المواكب لما تفرضه الوقائع الميدانية. وهذا ما ينطبق إلى حدٍّ كبير على المواجهة الدائرة حالياً بين لبنان وإسرائيل، حيث يبدو أن المسار العسكري يتقدم بخطوات واسعة، فيما تتحرك الدبلوماسية ببطء شديد، ما يجعل السباق بينهما غير متكافئ في الشكل والنتائج.

ففي الوقت الذي تتواصل فيه العمليات العسكرية والغارات والتوغلات والضغوط الأمنية، تحاول الجهود السياسية فتح ثغرة في جدار الأزمة من خلال المفاوضات في واشنطن والوساطات الدولية. غير أن المشكلة الأساسية تكمن في أن الميدان لا ينتظر نتائج الاجتماعات، بل يعمل على تغيير الوقائع يومياً، الأمر الذي يجعل أي تقدم دبلوماسي مهدداً بالتراجع أمام تطور عسكري مفاجئ.

وتبدو إسرائيل أكثر ميلاً إلى استخدام القوة العسكرية كوسيلة لتحسين شروط التفاوض، إذ تسعى إلى تثبيت معادلات أمنية جديدة على الأرض قبل الوصول إلى أي اتفاق نهائي. ومن هذا المنطلق، تتحول العمليات العسكرية إلى أوراق ضغط مباشرة على طاولة المفاوضات، بحيث يصبح التفاوض امتداداً للمعركة بوسائل مختلفة، لا بديلاً عنها.

في المقابل، يتمسك لبنان بأولوية وقف إطلاق النار، ووقف الاعتداءات، وعودة النازحين كمدخل لأي بحث في الملفات الأخرى، إلا أن هذا المطلب يصطدم بواقع ميداني معقد يجعل تحقيقه مرتبطاً بحسابات إقليمية ودولية تتجاوز الحدود اللبنانية نفسها.

وهنا يظهر الخلل في ميزان الحركة بين المسارين، فالدبلوماسية تحتاج إلى توافقات وضمانات وتسويات، بينما تستطيع القوة العسكرية فرض وقائعها خلال ساعات.

ويزداد هذا التفاوت وضوحاً كلما طال أمد الحرب، فكل يوم إضافي من المواجهة يترك آثاراً سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة داخل لبنان، ويزيد من حجم الضغوط على الدولة والمجتمع. وفي المقابل، لا تزال المفاوضات تتحرك ضمن إيقاع بطيء تحكمه الحسابات الدولية وتعقيدات المشهد الإقليمي، ما يجعل نتائجها أقل سرعةً من تطورات الميدان.

لكن رغم هذا الاختلال الظاهر، فإن التجارب التاريخية تؤكد أن الحروب لا تنتهي بالقوة وحدها، فالمعارك قد ترسم حدود النفوذ وتحدد موازين القوى، لكنها لا تستطيع بمفردها إنتاج الاستقرار الدائم. لذلك يبقى المسار الدبلوماسي، مهما بدا متعثراً، الطريق الوحيد القادر على تحويل وقف إطلاق النار إلى تسوية مستدامة تضع حداً لدورات العنف المتكررة.

ما من شك أن المشهد الحالي يوحي بأن السباق لا يزال لمصلحة الميدان، وأن النار تتقدم على السياسة بأشواط، رغم ما يُشاع من أجواء تفاؤلية، غير أن استمرار هذا الواقع يحمل مخاطر كبيرة على جميع الأطراف، لأن الحسم العسكري الكامل يبدو بعيد المنال، فيما يزداد ثمن الحرب يوماً بعد يوم.

وبين اندفاعة القوة وبطء التفاوض، يقف لبنان أمام معادلة دقيقة عنوانها أن إنقاذه يتطلب أن تسبق الدبلوماسية صوت المدافع، قبل أن يصبح أي اتفاق متأخراً عن الوقائع التي ترسمها الحرب.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى